فهرس الكتاب

الصفحة 259 من 719

* الطور السادس: يوضح للمدعو ما يستوجبه الواقع الذي تمر به الدعوة إلى الله، وأنها محتاجة إلى تكاتف الجهود ، ولَمِّ الشمل ، ووحدة الصف ، والعلم حتى يتمكن المسلمون من إعادة الخلافة الإسلامية التي كاد لها أعداء الله من الداخل والخارج حتى أطاحوا بها . ومنذ ذلك الحين والمسلمون يعيشون في هذا الذل والهوان حتى صار أعداؤهم لا يبالون بهم وهذا كله نتيجة أن المسلمين رضوا بدنياهم ، وابتعدوا عن العمل بكتاب الله ، وعن سنة نبيهم ، وتركوا الجهاد في سبيل الله ، ولهذا يَقُولُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: [ إِذَا تَبَايَعْتُمْ بِالْعِينَةِ وَأَخَذْتُمْ أَذْنَابَ الْبَقَرِ وَرَضِيتُمْ بِالزَّرْعِ وَتَرَكْتُمْ الْجِهَادَ سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ ذُلًّا لَا يَنْزِعُهُ حَتَّى تَرْجِعُوا إِلَى دِينِكُمْ] (181) . فإذا أردنا العزة والتمكين ، وتغيير الأحوال إلى الأصلح ، وإقامة الدولة الإسلامية ، فعلينا أن نبدأ بإصلاح أنفسنا وأهلينا ومجتمعنا ؛ لأن الله يقول: إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ (182) .

* الطور السابع: يحمس المدعو لطلب العلم ؛ لأنه لا يمكن أن يعبد الله كما أمر سبحانه إلا بالعلم ، فيُرَغِّب المدعو بمجالسة العلماء العاملين من أهل السنة والجماعة ، أصحاب المنهج السليم ، ويشعره إذا وجدت محاضرات ، أو جلسات خاصة سواء كان ذلك بالمرور عليه ، أو بالهاتف كما يحثه على اقتناء الكتب النافعة ، وكذا الأشرطة والمجلات ... الخ .

وينبه المدعو إلى أن خير السبل هي سبيل رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهي سبيل العلم وتربية المجتمع مع تصفيته ، وأنه لا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح أولها . وأنه مهما حاول المحاولون الذين ابتعدوا عن هذا المنهج أن يعيدوا الخلافة الإسلامية ، فإنما مثلهم مثل من يبني بناية على شفا جرف هار يوشك أن يقع (183) .

مبحث

'أساليب الدعوة ووسائلها '

ثالثًا: وسيلة الخطاب ، أو الدعوة منهاجها .

تمهيد:

قد تكون المشكلة اليوم ، هي الخلل في معادلة الدعوة والعمل الإسلامي ، الذي حال دون نمو الاختصاصات ، والتنبه لها بشكل مبكر ، والعجز عن استشراف المستقبل والتحديات المحيطة ، والإبقاء على الوسائل البدائية في الدعوة والبلاغ المبين ، والتوهم بأن الوسائل من الثوابت والمقدسات ، التي لا يجوز تطويرها أو حتى مراجعتها ودراسة جدواها ، وبذلك أصيبت أجهزة الدعوة على يد أصحابها أكثر مما أصيبت على يد أعدائها ، وبدأ دور الإسلام يتضاءل ويتراجع ، وينفصل عن الحياة إلي درجة يمكن أن نقول معها ، إن المنبر انفصل عن المصلين في داخل المسجد ، قبل أن ينفصل عن صياغة المجتمع خارج المسجد ، فافتقدنا فاعلية ما نملك !!.

قال سيد قطب (رحمه الله) :' يجب أن يعرف أصحاب هذا الدين جيدًا أنه كما أن هذا الدين رباني ، فإن منهجه في العمل منهج رباني كذلك ، متوافق في طبيعته ، وإنه لا يمكن فصل حقيقة هذا الدين عن منهجه في العمل ! .

فالدعاة حين يدعون الناس إلى الله بالخروج من طاعة غير الله إلى طاعته وحده ، ورفض شرائع العبد والتزام شرعه وحده ، يشعرون بتناقض ـ حين يكون إحساسهم مرهفًا ـ بين ما يدعون الناس إليه وما يبتدعونه لأنفسهم من وسائل الوصول ، إذ يكون الهدف ربانيًا والطريقة بشرية ! .

أما حين تكون الطريقة أيضًا ربانية ؛ فإن الانسجام بينها وبين الغاية يصبح حقيقة واقعة. كذلك يشعر الدعاة ـ حين يكون فهمهم ربانيًا ـ أنهم موصولون وأنهم سائرون على قدم الرهط الكريم من الأنبياء والرسل ـ عليهم صلوات الله وسلامه ـ فتمتليء أرواحهم بالأنس ، ونفوسهم بالبهجة ، ويستهينون بالصعاب حين يرون في الأفق البعيد موكب السادة العظماء عليهم الصلاة والسلام.

إذن لو أردنا معرفة المنهج فإننا لا نستطيع معرفته إلا من خلال الأسلوب النبوي في تربية ذلك الجيل السامق الفريد ، وأسلوب الصحابة والتابعين بإحسان ، ومن التجارب ، فالحكمة ضالة المؤمن يأخذها من أي وعاء خرجت ، أما كيفية الاستقاء فالمرجع فيها هو القرآن ، والسيرة الكريمة في مكة والمدينة ، والسنة عمومًا. فتؤخذ النصوص بجملتها وتكون أساسًا لمنهج تربوي تفصيلي ، دون طمس لأي جانب ، ودون إبراز لجانب على حساب جانب ، فلا نريد أن نعلي من شأن الجانب الروحي على حساب الجانب الفكري ، والعملي ، والحركي الجهادي ، ولا هذا على ذاك بل خطوط متوازية متكاملة تكوّن تلك الشخصية المتكاملة .

ولذا سوف يدور هذا المبحث حول عدد من النقاط نجملها ثم نفصل الحديث عنها لاحقًا ونسأل الله العلي القدير التوفيق والسداد وهي:

?المنابر المتاحة والتقصير الواضح . ? مراعاة مقتضى حال المدعو .

? اللغة . ?انتهاز الفرص .

?أشغال الناس عن الفكرة الباطلة بالفكرة الصحيحة . ?البعد عن التعصب المقيت.

?المنابر المتاحة والتقصير الواضح:

فلو أحصينا عدد منابر الجمعة اليوم في العالم الإسلامي ، التي يبدأ بناء مساجدها إلي جوار أول بيت في القرية ، ويمتد إلي كل حي في المدينة - وخطبة الجمعة والسعي إليها ، والسماع لها دون لغو أو انصراف من فروض الدين - لأدركنا أهمية المواقع والوسائل الخطابية التي نمتلكها ، وما يمكن أن تفعله في العالم لو كنا في مستوى المسؤولية المنوطة بنا ، واستشعرنا التحدي الذي يواجهنا … والمنبر ، بعض أشياء المسجد ، ووسائله ، فإذا أضفنا إلي ذلك المحراب وعطاءه خمس مرات يوميا ، يتلو المعجزة البيانية على عقول وقلوب الأمة ، وشعيرة الأذان التي تعلن بالمرتكزات الأساسية للعقيدة والرسالة الخاتمة ، تنادي الناس وتوقظ النيام كلما كادوا يغفلون ، لأدركنا أي تخاذل في الخطاب ، وأي عطالة فكرية نعيشها ، الأمر الذي يقتضي أن نؤدب على معاصينا أكثر مما نحن فيه .

ولعل بعض وسائل وأساليب الخطاب الإسلامي المعاصر ، تؤثر سلبا على مسار الدعوة الإسلامية ومواقف الناس منها ، وذلك عندما يكون سيئا ، أو جاهلا ، أو غبيا ، أو ساذجا ، فيسيء إلي الإسلام وعظمته ، ويزهد الناس فيه ، ويخوفهم منه ، يجعلهم يتوهمون أن حالتهم أفضل مما يدعون إليه .

لذلك نقول: إن الخطاب الإسلامي المعاصر لم يتمكن من استيعاب أقرب الناس إليه ، أو أكثرهم استعدادا للتجاوب معه ، وهم جمهور المسجد ، علاوة عن كسب الآخرين … فهو خطاب أقرب إلي السلبية ، والجزئية ، والأحادية ، والارتجال ، والحماس ، والذاتية ، منه إلى التفاعل مع هموم الأمة .

ولذا لو نظرنا إلى عالمنا الإسلامي اليوم سنجد عجبًا ، فنحن اليوم يكثر فينا الخطباء ، ويغيب عنا الفقهاء ، بالمعني العام لكلمة الفقه ، لا نزال نفتقد الكوادر البشرية المسلمة المتخصصة والمدربة ، على الرغم من هذا التاريخ العريق في الدعوة ومسؤولية البلاغ المبين .

لقد استطاع المسلمون في جيل القدوة أن يوظفوا كل الإمكانيات المتاحة للخطاب ، فوقفوا على أعلى مكان ، ورفعوا أصواتهم إلي القدر المستطاع لإيصال صوت الإسلام بالأذان … ووقف الرجال من حول الرسول r يبلغون صورته وتعاليمه إلى أسماع لم يصلها الكلام ، سواء كان ذلك في الخطبة ، أو الدرس ، أو الصلاة … استخدموا كل ما هو متاح في البيئة المحيطة بهم من الوسائل الممكنة ، وكانوا في مستوى إسلامهم وعصرهم … لكن للأسف ، توقف المسلمون ، وتطورت وسائل الإعلام على أيدي غيرهم .

? مراعاة مقتضى حال المدعو:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت