لقد كان الرسول صلي الله عليه وسلم يتخول الناس بالموعظة مخافة السامة … عَنْ أَبِي وَائِلٍ قَالَ: كَانَ عَبْدُ اللَّهِ (184) y يُذَكِّرُ النَّاسَ فِي كُلِّ خَمِيسٍ ، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ لَوَدِدْتُ أَنَّكَ ذَكَّرْتَنَا كُلَّ يَوْمٍ ، قَالَ: أَمَا إِنَّهُ يَمْنَعُنِي مِنْ ذَلِكَ أَنِّي أَكْرَهُ أَنْ أُمِلَّكُمْ ، وَإِنِّي أَتَخَوَّلُكُمْ بِالْمَوْعِظَةِ كَمَا كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَخَوَّلُنَا بِهَا مَخَافَةَ السَّآمَةِ عَلَيْنَا (185) .
وكان يحذر أصحابه الذين يطيلون في العبادة حتى تشق على الناس ، من فتنتهم عن دينهم … عَنْ جَابِرٍ y قَالَ كَانَ مُعَاذٌy يُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ يَأْتِي فَيَؤُمُّ قَوْمَهُ فَصَلَّى لَيْلَةً مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْعِشَاءَ ، ثُمَّ أَتَى قَوْمَهُ فَأَمَّهُمْ فَافْتَتَحَ بِسُورَةِ الْبَقَرَةِ فَانْحَرَفَ رَجُلٌ فَسَلَّمَ ، ثُمَّ صَلَّى وَحْدَهُ وَانْصَرَفَ . فَقَالُوا لَهُ: أَنَافَقْتَ يَا فُلَانُ؟!. قَالَ: لَا وَاللَّهِ ، وَلَآتِيَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَأُخْبِرَنَّهُ ، فَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا أَصْحَابُ نَوَاضِحَ (186) نَعْمَلُ بِالنَّهَارِ ، وَإِنَّ مُعَاذًا صَلَّى مَعَكَ الْعِشَاءَ ، ثُمَّ أَتَى فَافْتَتَحَ بِسُورَةِ الْبَقَرَةِ . فَأَقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى مُعَاذٍ فَقَالَ: [ يَا مُعَاذُ أَفَتَّانٌ أَنْتَ اقْرَأْ بِكَذَا وَاقْرَأْ بِكَذَا ] قَالَ: سُفْيَانُ فَقُلْتُ لِعَمْرٍو: إِنَّ أَبَا الزُّبَيْرِ حَدَّثَنَا عَنْ جَابِرٍ أَنَّهُ قَالَ اقْرَأْ وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا ، وَالضُّحَى وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى ، وَسَبِّحْ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى . فَقَالَ عَمْرٌو: نَحْوَ هَذَا (187) .
وكان الإمام علي رضي الله عنه يوصي بمخاطبة الناس على قدر عقولهم ويقول مستنكرا: « أتحبون أن يكذب الله ورسوله » ؟ ! (188) .
وتعريف البلاغة - كما هو معلوم - هو مطابقة الكلام لمقتضى الحال (189) … فأين واقع الإعلام الإسلامي من حال المتلقي ؟!.
ومع ذلك ، لا نزال في دعوتنا وخطابنا الإسلامي ، إن صح التعبير ، نلقي الكلام على عواهنه دون أية دراية بمقتضى الحال ، حتى أصبح عندنا: كل مقال يصلح لكل مقام ، وكل إنسان يصلح لكل عمل ، وكأننا نعيش غربة الميراث الثقافي الإسلامي ، وكيفية الإفادة منه ، وغربة العصر وفهمه ، وكيفية التعامل معه .
? اللغة:
إن عالمية الرسالة تقتضي عالمية الخطاب ، وعالمية الخطاب لا تبلغ مداها المطلوب ما لم تكن عندنا القدرة أولا على فهم العالم بعقائده ، وثقافاته ، وتاريخه ، وحاضره ، ومشكلاته ، وتطلعاته ، وفهم الكيفيات والآليات التي يتم من خلالها تشكيل الرأي العام ، وشروط تغيره ، والتأثير عليه ، كأمور لا بد منها لتحديد المداخل الحقيقية للخطاب ، كما لا بد لنا من التمكن من لغات الخطاب العالمية لنكون في مستوى التكليف في قوله تعالي: « وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم » (190) … فاللغة هي المفتاح الأول ، ووسيلة الفهم بأحوال المخاطب.
?انتهاز الفرص:
فاستغلال الحوادث التي تمر علينا ، مهمة كبيرة من مهام التربية ، ووسيلة من وسائل الخطاب الناجح ، ينطبع أثرها في نفس المدعو ، فلا يزول أثرها بسهولة . فالخطيب الفطن لا يترك الأحداث تذهب سدى بغير عبرة وبغير توجيه ، وإنما يستغلها لتربية النفوس وصقلها وتهذيبها . و كان القرآن ينزل مع الأحداث ، فيؤثر في النفوس أبلغ التأثير.
?أشغال الناس عن الفكرة الباطلة بالفكرة الصحيحة .
من وسائل الدعوة الناجحة لفت النظر إلى الأخطاء من طرف خفي ، وإن كان الداعية مخطئًا فليسلِّم بخطئه ، ولا يواجه من معه باللوم والتعنيف عندما يخطئون ، فإنَّ ذلك يضر ولا يجدي ، والداعية لا يستنكف عن مجاهدة نفسه فيما يحب ويكره ، فإن كنت مخطئًا فقل: 'إني أرى هذا الرأي فقد أكون مخطئًا' أو أرجو منك أن تصحح خطئي إن كنت مخطئًا ، فكثيرًا ما أخطيء ، فهذا عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) يقول:'رحم الله امرءًا أهدى إليَّ عيوبي' ويتجنب الداعية النصح في مكان عام بين الناس ، ولكن يجعل نصيحته سرًا ، فإنها أبلغ في التأثير.
?البعد عن التعصب المقيت: من وسائل الدعوة الناجعة و المؤثرة ، والتي يغفل عنها الكثيرون ، وينبغي أن يعلم أن التعصب صفة ذميمة ، تحمل الإنسان على إتباع الهوى ، وتدفعه إلى الميل عن جادة الصواب ، وتحجب عينيه عن رؤية الحق ، فيخبط خبط عشواء ، وقد ذمَّ العلماء التعصب وحاربوه، وهذه بعض عباراتهم في ذلك:
قال أبو نُعيم: ( قاتل الله التعصب ما أشنع إخساره في الميزان ) (191) .
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: [ وأما التعصب لأمر من الأمور بلا هدى من الله ، فهو من عمل الجاهلية ، ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله ] (192) .
وقال الشوكاني:[ والمتعصب وإن كان بصره صحيحًا ، فبصيرته عمياء وأذنه عن سماع الحق صماء ، يدفع الحق ، وهو يظن أنه ما دفع غير الباطل ، ويحسب أن ما نشأ عليه هو الحق ، غفلة منه وجهلًا بما أوجبه الله عليه من النظر الصحيح ، وتلقي ما جاء به الكتاب والسنة بالإذعان والتسليم ، وما أقل المنصفين بعد ظهور هذه المذاهب في الأصول والفروع ، فإنه صار بها باب الحق مرتجًا ، وطريق الإنصاف مستوعرة ، والأمر لله سبحانه والهداية منه
يأبى الفتى إلا إتباع الهوى ومنهج الحق له واضح ] ( 193)
وقال الشوكاني أيضًا: [ فعليك أيها العامل بالكتاب والسنة ، المبرأ من التعصب والتعسف ، أن تورد عليهم حجج الله ، وتقيم عليهم براهينه ، فإنه ربما انقاد لك منهم ، من لم يستحكم داء التقليد في قلبه ، وأما من قد استحكم في قلبه هذا الداء ، فلو أوردت عليه كل حجة ، وأقمت عليه كل برهان ، لما أعارك إلا أذنًا صماء ، وعينًا عمياء ، ولكنك قد قمت بواجب البيان الذي أوجبه عليك القرآن ، والهداية بيد الخلَّاق العليم: ( إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ ) (194) ] .
وقال العلامة ابن القيم: [ ومنها الدعاء بدعوى الجاهلية ، والتعزي بعزائهم ، كالدعاء إلى القبائل والعصبية لها وللأنساب ، ومثله التعصب للمذاهب والطرائق والمشايخ ، وتفضيل بعضها على بعض ، بالهوى والعصبية ، وكونه منتسبًا إليه ، فيدعو إلى ذلك ويوالي عليه ويعادي عليه ، ويزن الناس به ، كل هذا من دعوى الجاهلية ] (195) .