قال شيخ الإسلام ابن تيمية (رحمه الله) :"والله سبحانه وتعالى قد أمرنا بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: والأمر بالشيء مسبوق بمعرفته فمن لا يعلم المعروف لا يمكنه الأمر به.. والنهي عن المنكر مسبوق بمعرفته فمن لم يعلمه لا يمكنه النهي عنه" (171) .
وقال النووي (رحمه الله) :"ثم أنه إنما يأمر وينهى من كان عالمًا بما يأمر به وينهى عنه ، وذلك يختلف باختلاف الشيء ، فإن كان من الواجبات الظاهرة ، والمحرمات المشهورة كالصلاة والصيام و الزنا ، الخمر ونحوها ، فكل المسلمين علماء بها."
وإن كان من دقائق الأفعال والأقوال ، ومما يتعلق بالاجتهاد لم يكن للعوام مدخل فيه ، ولا لهم إنكاره ، بل ذلك للعلماء"."
ثم العلماء إنما ينكرون ما أجمع عليه أما المختلف فيه فلا إنكار فيه ، لأن على أحد المذهبين: كل مجتهد مصيب ، وهذا هو المختار عند كثيرين من المحققين أو أكثرهم .
وعلى المذهب الآخر: المصيب واحد ، والمخطئ غير متعين لنا والإثم مرفوع عنه ، لكن إن ندبه - على جهة النصيحة - إلى الخروج من الخلاف ، فهو حسن محبوب مندوب إلى فعله برفق فإن العلماء متفقون على الحث على الخروج من الخلاف ، إذا لم يلزم منه إخلال بسنة ، أو وقوع في خلاف آخر.
وذكر القاضي أبو الحسن الماوردي البصري الشافعي في كتابه الأحكام السلطانية خلافًا بين العلماء في أن من قلده السلطان الحسبة هل له أن يحمل الناس على مذهبه فيما اختلف فيه الفقهاء إذا كان المحتسب من أهل الاجتهاد ، أم لا يغير ما كان على مذهب غيره.. والأصح أنه لا يغير لما ذكرناه.
ولم يزل الخلاف في الفروع بين الصحابة والتابعين فمن بعدهم رضي الله عنهم أجمعين.. ولا ينكر محتسب ولا غيره ، وكذلك قالوا: ليس للمفتي ولا للقاضي أن يعترض على من خالفه إذا لم يخالف نصًا ، أو إجماعًا أو قياسًا جليًا . والله أعلم (172) .
2)اتخاذ إحدى مراتب الإنكار اتباعًا للحكمة والقدرة:
وذلك لقوله صلى الله عليه وسلم: [من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان] (173) ..
فالإنكار باليد أعلى درجات الإنكار وهو (لأولي الأيدي والأبصار) أهل القوة والتمكن والقدرة فمن لم يستطع لسبب أو آخر تحول إلى الإنكار باللسان ، ذمًا للمنكر وأهله ، وبيانًا لفساده ، وتحذيرًا منه ، فإن لم يستطع تحول إلى الإنكار بقلبه بغضًا للمنكر وأهله ، ومفارقة لمجالسهم كما قال تعالى: {وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره وإما ينسينك الشيطان فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين} (174) .
ولا يختص الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بأصحاب الولايات ، بل هو ثابت لآحاد المسلمين وعليه إجماع المسلمين فإن غير الولاة في الصدر الأول والعصر الذي يليه كانوا يأمرون الولاة بالمعروف وينهونهم عن المنكر مع تقرير المسلمين إياهم ، وهذا إجماع من الأمة على ذلك وأدلة القرآن والسنة شاهدة بذلك.."أ.هـ (175) ."
3)وجوب اتباع المصالح الشرعية في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:
ومما يجب على الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر أن يعلم المصالح والمفاسد الشرعية التي تترتب على أمره ونهيه.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية (رحمه الله) :"وجماع ذلك داخل في القاعدة العامة فيما إذا تعارضت المصالح والمفاسد والحسنات والسيئات أو تزاحمت فإنه يجب ترجيح الراجح منها فيما إذا ازدحمت المصالح والمفاسد وتعارضت المصالح والمفاسد."
فإن الأمر والنهي - وإن كان متضمنًا لتحصيل مصلحة ودفع مفسدة- فينظر في المعارض له، فإن كان الذي يفوت من المصالح ، أو يحصل من المفاسد أكثر ، لم يكن مأمورًا به ، بل يكون حرامًا إذا كانت مفسدته أكثر من مصلحته.
لكن اعتبار مقادير المصالح والمفاسد هو بميزان الشريعة ، فمتى قدر الإنسان على اتباع النصوص لم يعدل عنها ، وإلا اجتهد رأيه لمعرفة الأشباه والنظائر، ولن تعوز النصوص من يكون خبيرًا بدلالاتها على الأحكام.
ومن هذا الباب ترك النبي صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن أبي سلول وأمثاله من أئمة النفاق والفجور، لما لهم من أعوان فإزالة منكره بنوع من عقابه مستلزمة إزالة معروف أكثر من ذلك بغضب قومه وحميتهم ، وبنفور الناس إذا سمعوا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقتل أصحابه ، ولهذا لما خطب الناس في قضية الإفك بما خطبهم به ، واعتذر عنه ، وقال له سعد بن معاذ قوله الذي أحسن فيه ، حمي له سعد بن عبادة ، مع حسن إيمانه وصدقه - وتعصب لكلٍ منهم قبيلته حتى كادت تكون فتنة" (176) ."
4)وجوب إخلاص النية والبعد عن الهوى:
يجب على من يتصدى للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أن يكون عمله لله خالصًا ، وأن يكون صوابًا ، وألا يتبع هواه ، ويأمر أو ينهى لحظ نفسه ، وذلك أن الضلال في الدين عظيم ، ومن فقد الإخلاص ، ولم يتحر الصواب أوقعه الشيطان في الهوى ، ومن كلام شيخ الإسلام ابن تيمية:"و اتباع الأهواء في الديانات أعظم من اتباع الأهواء في الشهوات"
فإن أهل الكتاب اتبعوا أهواءهم فضلوا. قال تعالى عنهم {فإن لم يستجيبوا لك فاعلم أنما يتبعون أهواءهم ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله إن الله لا يهدي القوم الظالمين} (177) .
ولذلك نهى نبينا أن يتبع أهواء أهل الكتاب ، قال تعالى: {ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم قل إن هدى الله هو الهدى، ولئن اتبعت أهواءهم بعد الذي جاءك من العلم مالك من الله من ولي ولا نصير} (178) .
فاتباع الهوى هو الذي أفسد الديانات السابقة ، وأوجد الفرقة بين أهل الدين الواحد ، وهو الذي خرج به من خرج عن موجب الكتاب والسنة وسماهم علماء الإسلام أهل الأهواء..
فيجب على الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر أن يكون باعثه إخلاص النية ، وعمله على الكتاب والسنة وأن يجانب الهوى ، وإتباع الهوى هو أن يحب ويبغض بدافع من هواه لا إتباعًا للأمر والنهي.
5)الرفق سبيل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:
يجب أن يكون الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر رفيقًا كما قال صلى الله عليه وسلم: [ما كان الرفق في شيء إلا زانه، ولا كان العنف في شيء إلا شانه] (179) .
وقال أيضًا صلى الله عليه وسلم: [إن الله رفيق يحب الرفق في الأمر كله ، ويعطي عليه ما لا يعطي على العنف] .
ولهذا قيل: [ليكن أمرك بالمعروف معروفًا ونهيك عن المنكر غير منكر] (180) .
هذا وينظر كذلك إلى المبحث الخاص بالصفات التي يجب أن يتحلى بها الخطيب الداعي في دعوته إلى الله والتي سبق لنا أن سردناها بشي من التفصيل ..
مبحث
الدعوة الفردية
المراد بالدعوة الفردية: دعوة الأفراد ، أي: دعوة الناس منفردين ، فالفردية هنا من حيث المدعو ، ويقابل هذا: دعوة الناس مجتمعين من خلال الدروس والمحاضرات ؛ و لا نريد به العمل الفردي الذي يقابله العمل الجماعي.
فضل الدعوة إلى الله: وردت أحاديث كثيرة في فضل الدعوة الله تبارك وتعالى نذكر شيئًا منها:
* عن أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: [ مَنْ دَعَا إِلَى هُدًى كَانَ لَهُ مِنْ الْأَجْرِ مِثْلُ أُجُورِ مَنْ تَبِعَهُ لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا...] رواه مسلم .
* وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ خَيْبَرَ لِعَلِيّ: [ لَأَنْ يَهْدِيَ اللَّهُ بِكَ رَجُلًا خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ يَكُونَ لَكَ حُمْرُ النَّعَمِ] رواه البخاري ومسلم .
فوائد الدعوة الفردية