وكثير من الأحاديث قد يشترك فيها الرجال والنساء، إلا أن رواية النساء فيها أصل وعمدة في بابها، فحديث أم عطية رضي الله عنها في غسل الميت [1] أصل في الباب، وأسماء بنت عميس وهي تروي حديث فضل أصحاب السفينة تقول في هذا: (فلقد رأيت أبا موسى وأصحاب السفينة يأتوني أرسالًا، يسألوني عن هذا الحديث، ما من الدنيا شيء هم به أفرح ولا أعظم في أنفسهم مما قال لهم رسول - صلى الله عليه وسلم: ولقد رأيت أبا موسى وإنه ليستعيد هذا الحديث مني) [2] .
وكالتفرد بحديث الجساسة الطويل [3] وصفة خروج الدجال، فرغم طول الحديث ودقة ما فيه من صور ومشاهد وغرابتها، إلا أنه لم يصلنا إلا من طريق امرأة هي فاطمة بنت قيس.
كل هذه الأمثلة وغيرها كثير، يدل دلالة واضحة على أن المرأة المسلمة في العهد النبوي، أدركت مسئوليتها العلمية، ودورها المهم في نشر السنة وتبليغ الدين، فحرصت على رواية هذه الأحاديث، لتساهم بقوة في توثيق السنة النبوية، وتسطر للأمة تاريخًا مشرقًا للمرأة المسلمة.
المبحث الرابع:
نماذج من النساء العالمات على عهد النبوة
من خلال الاهتمام الذي حظيت بها المرأة في عهد النبوة، والإعداد العلمي الذي نالته على يد النبي - صلى الله عليه وسلم -، ونتيجة للحرص والجهد الذي بذلته المرأة في طلب العلم، برز لنا نساء عالمات، لا يزال أثر علمهن وتعليمهن باقيًا إلى يومنا هذا، حيث ارتفع ذكرهن وانتفع الناس بعلمهن، وخلد التاريخ أسماؤهن وسيرهن
(1) البخاري، الصحيح، كتاب الجنائز، غسل الميت ووضوئه بالماء والسدر،1/ 422ح1195، ومسلم، الصحيح، كتاب الجنائز،2/ 646 ح939.
(2) البخاري، الصحيح، كتاب المغازي، غزوة خيبر،4/ 1546 ح3990، مسلم، الصحيح، كتاب فضائل الصحابة،4/ 1946 ح2503.
(3) مسلم، الصحيح، كتاب الفتن وأشراط الساعة،4/ 2260 ح2942.