الصفحة 31 من 47

وميراثهن، وسجل لهن تميزهن العلمي ونبوغهن المعرفي، حتى أقر الرجال بعلمهن، وتتلمذوا على أيديهن، واحتكموا إليهن عند الخلاف، ورجعوا إليهن في مسائل خاصة وقضايا مهمة، وما وجدوا غضاضة في الأخذ عنهن والتتلمذ على أيديهن، بل شهدوا لهن بالعلم والفضل والرسوخ.

وفي هذه الوقفة سأختار نماذج ممن تبوأن منزلة عالية، ومكانة مرموقة في العلم، وممن كان لهن الأثر البارز في تبليغ العلم ونشره، والدور الأكبر في التعليم والإفتاء والرواية، وسيتم ذكر أهم ما تميزن به من سيرة علمية، ومواقف مؤثرة، وثناء عاطر من أئمة علماء ومزكين فضلاء.

-أم المؤمنين عائشة بنت أبي بكر الصديق رضي الله عنها (عالمة بيت النبوة وفقيهة الأمة) :

كبيرة محدثات عصرها، ونابغته في الذكاء والبلاغة والفصاحة، حاملة لواء العلم فيه، من أبرع الناس في القرآن والحديث والفقه، والشعر، وأحاديث العرب وأخبارهم وأنسابهم.

قال عروة بن الزبير - ابن أختها:"لقد صحبت عائشة، فما رأيت أحدًا قط كان أعلم بآية أنزلت، ولا بفريضه، ولا بسنة، ولا بشعر، ولا أروى له، ... ، ولا بكذا ولا بكذا، منها" [1] .

نشأت في بيت دين وعلم، بركاتهم معلومة، وسابقتهم مشهودة، وسيرتهم محمودة، اصطفاها الله تعالى زوجة لنبيه الكريم - صلى الله عليه وسلم -، فتولاها برعايته، وتعاهدها بحسن توجيهه وتعليمه، فكانت امتدادا لأثره، ووعاء لعلمه، ومبلغة لهديه وسمته، ووارثة حديثه وسنته - صلى الله عليه وسلم -.

من نعم الله عليها، أن وهبها ذكاء متوقدًا وذاكرة قوية وحفظًا متميزًا، فرغت قلبها وذهنها للعلم، ولم تشغلها الدنيا وحب الزينة، فامتلأ قلبها شغفًا بالعلم، وتطلعت نفسها للاستزادة والاستفادة، فنالت خيرًا، وشهد لها الأكابر والمشايخ من صحابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -،وكانوا يرعون منزلتها ويشاورونها ويسألونها المسائل ويرجعون إلى رأيها، تفتيهم وتصحح لهم أخطاءهم، وترشدهم وتعلم جاهلهم.

(1) محمد بن أحمد الذهبي، سير أعلام النبلاء، تحقيق شعيب الأرنؤوط، بيروت ط7، مؤسسة الرسالة،2/ 183.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت