إن التربية الإيمانية التي حظيت بها المرأة المسلمة على عهد النبي - صلى الله عليه وسلم -، والإعداد العلمي الذي خُصت به، والجهد الكبير الذي بذلته في طلب العلم، خرّج لنا نساء عالمات متميزات، تفوقن على الرجال في سعة الإطلاع وجمع العلم ودقة الفهم، وممن بلغن هذه الرتبة العالية، أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، فقد كانت حاملة لواء العلم في عصرها، ومن الأدلة على ذلك:
ما رواه الترمذي عَنْ أَبِي مُوْسَى، قَالَ:"مَا أَشْكَلَ عَلَيْنَا أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ - صلى الله عليه وسلم - حَدِيْثٌ قَطُّ، فَسَأَلْنَا عَائِشَةَ إِلاَّ وَجَدْنَا عِنْدَهَا مِنْهُ عِلْمًا" [1] .
وفي طبقات ابن سعد [2] :"عن محمود بن لبيد قال: كان أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم -، يحفظن من حديث النبي، - صلى الله عليه وسلم -، كثيرا ولا مثلا لعائشة وأم سلمة، وكانت عائشة تفتي في عهد عمر وعثمان، إلى أن ماتت يرحمها الله، وكان الأكابر من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، عمر وعثمان بعده يرسلان إليها فيسألانها عن السنن". وعن أبي سلمة بن عبد الرحمن قال: ما رأيت أحدا أعلم بسنن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ولا أفقه في رأي إن احتيج إلى رأيه ولا أعلم بآية فيما نزلت ولا فريضة من عائشة [3] . وعن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه قال: كانت عائشة قد استقلت بالفتوى في خلافة أبي بكر وعمر وعثمان وهلم جرا إلى أن ماتت يرحمها الله [4] .
وقد كان لأمهات المؤمنين فضل عظيم في تبليغ الدين ونشر السنة النبوية بين الناس، وكانت حجراتهن مدارس يقصدها طلاب العلم، فيجد السائل عندهن جوابه، والمستفتي فتواه، فقد سمعن من النبي - صلى الله عليه وسلم - وشاهدن تفاصيل حياته المعيشية والعبادية، ولولا هذا النقل لفاتنا كثير من السنن القيمة، والتي ما شاهدها ولا نقلها غيرهن، وذلك بسبب سعة علمهن. [5] وأخرج الإمام مسلم [6] عن ثمامة بن حزن القشيري،
(1) الترمذي، الجامع، كتاب المناقب، باب فضل عائشة رضي الله عنها،1/ 5ح 3883، وقال: حسن صحيح. وصححه الألباني في صحيح الترمذي، رقم 3883.
(2) محمد بن سعد الزهري، الطبقات الكبرى، بيروت، دار صادر،2/ 375.
(3) المرجع السابق. (4) المرجع السابق.
(5) انظر: آمال قرداش، دور المرأة في خدمة الحديث في القرون الأولى، ص45،بتصرف.
(6) مسلم، الصحيح، كتاب الأشربة،3/ 1590 ح2005.