الصفحة 25 من 47

وفي رواية أخرى عن ابن عمر - رضي الله عنهم - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: من جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة 0 فقالت أم سلمة: فكيف يصنع النساء بذيولهن؟ قال: يرخين شبرًا، فقالت: إذن تنكشف أقدامهن 0 قال: فيرخين ذراعًا لا يزدن عليه" [1] ."

وهنا يظهر فقه العالمة الذكية أم سلمة، وحسن سؤالها واستنباطها، وجميل حوارها، وطريقة تلقيها العلم، إذ فهمت أن الخطاب يشمل الرجال والنساء، واستدركت بسؤالها، ماذا تصنع النساء بذيولهن؟ وكان سؤالها عقليًا منطقيًا، لا تدركه سوى المؤمنة الحريصة على حجابها وعفتها، فلم تكتف بجواب النبي - صلى الله عليه وسلم: يرخين شبرًا، بل كان جوابها يكشف عن حرص واحتياط، وكان حوارها تعليمًا لمن بعدها من طالبات العلم، بضرورة الاستفسار والاستفصال في المسائل العلمية، مهما كان المعلم أو الشيخ على رتبة علمية عالية، فهذا لا يمنع محاورته ومراجعته، حتى تتبين الأمور وتكشف الحقائق، فالحمد لله على هذا الدين.

-تحقيق المسائل العلمية بالمناظرة والمحاورة:

أخرج البخاري ومسلم عن أم الفضل بنت الحارث أن ناسًا تماروا (أي تجادلوا واختلفوا) عندها يوم عرفة في صوم النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال بعضهم: هو صائم، وقال بعضهم: ليس بصائم، فأرسلت له بقدح لبنٍ وهو واقف على بعيره فشربه. [2]

في هذا الحديث برزت العالمة الفقيهة أم الفضل من بين الرجال والنساء، بهذا التصرف الحكيم، حيث أنهت جدلًا وخلافًا حول مسألة علمية، وهي صيام يوم عرفة للحاج، فاستطاعت أن تفصل وتنهي الخلاف بأسلوب عملي ذكي، حيث أرسلت للنبي - صلى الله عليه وسلم - بقدح اللبن، فشربه على الملأ، فكان الرد على من خالف وناظر سريعًا قويًا، وكان لهذه المرأة دورًا كبيرًا في تحيق الخلاف، وترجيح الصواب. قال الحافظ ابن حجر:"ومن فوائد الحديث: المناظرة في العلم بين الرجال والنساء" [3]

-تفوق المرأة على الرجال في سعة الإطلاع:

(1) الترمذي، الجامع، كتاب اللباس، باب ما جاء في جر ذيول النساء 4/ 223ح1731، وقال: هذا حديث حسن صحيح، وصححه الألباني في صحيح الترمذي رقم 1731.

(2) البخاري، الصحيح، كتاب الصوم، باب صوم يوم عرفة. 2/ 701ح1887، مسلم، الصحيح، كتاب الصيام، باب: استحباب الفطر للحاج بعرفات يوم عرفة 2/ 791ح1123.

(3) ابن حجر، فتح الباري،4/ 238.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت