بالنسل, والكفاية وطريقها أسباب شرعية موضوعة للملك والاختصاص.
ـــــــ
المال بعضهم من بعض, وما يحتاج إليه كل نفس لكفايتها لا يكون حاصلا في يدها, وإنما يتمكن من تحصيله بالمال فشرع سبب اكتساب المال وسبب اكتساب ما فيه كفاية لكل أحد, وهو التجارة عن تراض لما في التغالب من الفساد والله لا يحب الفساد.
هذا الذي ذكرنا هو طريقة القاضي الإمام أبي زيد وتابعه فيها عامة المتأخرين من المشايخ.
فأما المتقدمون من أصحابنا فقالوا سبب وجوب العبادات نعم الله تعالى على كل واحد من عباده فإنه تعالى أسدى إلى كل واحد منا من أنواع النعم ما يقصر العقول عن الوقوف على كنهها فضلا عن القيام بشكرها, وأوجب هذه العبادات علينا بإزائها, ورضي بها شكرا لسوابغ نعمه بفضله وكرمه, وإن كان بحيث لا يمكن لأحد الخروج عن شكر نعمه, وإن قلت مدة عمره وإن طالت, وهذا; لأن شكر النعمة واجب بلا شك عقلا أو نصا على ما قال تعالى: {أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ} "لقمان: 14",وقال عليه السلام:"من أنزلت عليه نعمة فليشكرها". في نصوص كثيرة وردت فيه وكل عبادة صالحة لكونها شكرا لنعمة من النعم. وقد ورد النص الدال على كون العبادة شكرا, وهو ما روي:"أنه عليه السلام صلى حتى تورمت قدماه فقيل له إن الله قد غفر لك ما تقدم من ذنبك, وما تأخر قال:"أفلا أكون عبدا شكورا1". أخبر أنه يصلي لله تعالى شكرا على ما أنعم عليه. ثم نعم الله تعالى على عباده أجناس مختلفة, منها إيجاده من العدم وتكريمه بالعقل والحواس الباطنة. ومنها الأعضاء السليمة, وما يحصل له بها من التقلب والانتقال من حالة إلى ما يخالفها من نحو القيام والقعود والانحناء. ومنها ما يصل إليه من منافع الأطعمة الشهية والاستمتاع بصنوف المأكولات. ومنها صنوف الأموال التي بها يتوصل إلى تحصيل منافع النفس ودفع المضار عنها فعلى حسب اختلافها وجبت العبادات. فالإيمان وجب شكرا لنعمة الوجود, وقوة النطق, وكمال العقل الذي هو أنفس المواهب التي اختص الإنسان بها من بين سائر الحيوانات وغيرها من النعم فالوجوب بإيجاب الله تعالى لكن بالعقل يعرف أن شكر المنعم واجب فكان النعم معرفا له وجوب شكر المنعم بواسطة آلة المعرفة, وهي العقل, وهذا معنى قول الناس العقل موجب أي دليل, ومعرف لوجوب الإيمان بالنظر في سببه"
ـــــــ
1 أخرجه البخاري في الرقاق ومسلم في صفات المنافقين حديث رقم 2819 والترمذي في الصلاة حديث رقم 412 وابن ماجة في إقامة الصلاة حديث رقم 1741 والإمام أحمد في المسند 6/115.