بينهما أن النصين في كفارة اليمين وردا في الحكم والحكم هو الصوم في وجوه لا يقبل وصفين متضادين فإذا ثبت تقييده بطل إطلاقه وفي صدقة الفطر دخل النصان على السبب ولا مزاحمة في الأسباب فوجب الجمع وهذا نظير ما
ـــــــ
للمطلقة عليها لأن النصين في كفارة اليمين وردا في الحكم وهو الصوم الواجب باليمين وهو في وجوده أعني وجوبه في نفسه لا يقبل وصفين متضادين لأنه حكم واحد غير متعدد والإطلاق والتقييد ضدان فلا يجتمعان في وقت واحد في شيء واحد ولو عملنا بالنصين يلزم صوم ستة أيام ثلاثة بالمطلق وثلاثة بالمقيد وذلك خلاف الإجماع فعلمنا أن المقيد انصرف ما انصرف إليه الآخر وأوجب تقييد ذلك الصوم بعينه فإذا صار ذلك الصوم مقيدا لم يبق مطلقا ضرورة فأما في صدقة الفطر فأحد النصين جعل الرأس المطلق سببا والآخر جعل رأس المسلم سببا ولا مزاحمة أي لا تنافي في الأسباب إذ يجوز أن يكون لشيء واحد أسباب متعددة شرعا وحسا على سبيل البدل كالملك والموت وإذا انتفت المزاحمة وجب الجمع.
فإن قيل: فهلا أوجبتم التتابع في قضاء رمضان كما أوجب البعض بقراءة أبي بن كعب رضي الله عنه:"فعدة من أيام من أخر متتابعة"مع أن التقييد والإطلاق في حكم واحد. قلنا: قراءته شاذة غير مشهورة وبمثلها لا تثبت الزيادة على النص فأما قراءة ابن مسعود رضي الله عنه فقد كانت مشهورة إلى زمن أبي حنيفة رحمه الله حتى كان الأعمش يقرأ ختما على حرف ابن مسعود وختما من مصحف عثمان رضي الله عنهما والزيادة عندنا يثبت بالخبر المشهور كذا في المبسوط فإن قيل: إذا لم يحمل على المقيد أدى إلى إلغاء المقيد فإن حكمه يفهم من المطلق ألا ترى أن حكم العبد المسلم يستفاد من إطلاق اسم العبد في صدقة الفطر كما يستفاد حكم الكافر وإذا كان كذلك لم يبق في ذكر المقيد فائدة.
قلنا: ليس كذلك فإن قيل: ورود المقيد يعمل به من حيث إنه مطلق وبعد وروده يعمل به من حيث إنه مقيد وفيه فائدة وهي أن يكون المقيد دليلا على الاستحباب والفضل أو على أنه عزيمة والمطلق رخصة ويجوز ذلك متى أمكن العمل بها جميعا واحتمال الفائدة قائم لا يجعل النصان نصا واحدا كيف والحمل يؤدي إلى إبطال صفة الإطلاق على وجه لم يبق معمولا وعدم الحمل لا يؤدي إلى إبطال شيء فكان أولى إليه أشير في الميزان. فإن قيل: إنكم قد حملتم المطلق على المقيد في قوله عليه السلام:"إذا اختلف المتبايعان تحالفا وترادا"وقوله صلى الله عليه وسلم:"إذا اختلف المتبايعان والسلعة قائمة"