فهرس الكتاب

الصفحة 85 من 2201

أعظم الوجهين بلوى وأعمهما نفعا وجدوى وهذا يقابل المحكم ومثاله

ـــــــ

إلى معرفة الخفي بالاجتهاد وإتعاب النفس وإعمال الفكر فيتبين المجد من المقصر والمجتهد من المفرط فيكون ثوابهم بقدر اجتهادهم ومراتبهم على قدر علومهم فيظهر فضيلة الراسخين في العلم لحاجة الناس إلى الرجوع إليهم والاقتداء بهم ولولا ذلك لاستوت الأقدام ولم يتميز الخاص من العام ولذهب التفاوت بين الناس ولا يزال الناس بخير ما تفاوتوا, فإذا استووا هلكوا وقال الله تعالى: {وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ} [الأنعام: 165] , ووجه آخر أنه تعالى ابتلى عباده بضروب من العبادات بعضها على كل البدن كالصلاة ونحوها وبعضها متفرق على الأعضاء بحسب ما يليق بكل عضو إقداما وامتناعا والقلب أشرف الأعضاء فابتلاه بإنزال الخفي والمشكل والمتشابه ليتعب بالتفكر فيما سوى المتشابه فيخرجه على موافقة الظاهر الجلي ويمتنع عن التفكر في المتشابه معتقدا حقيته فيكون ذلك عبادة منه كعبادات سائر الأعضاء بالإقدام والامتناع, وذكر في عين المعاني الحكمة في إنزال المتشابه ابتلاء العقل; لأن في تكليف الأحكام ابتلاء العاقل وله من تفهم معانيها وحكمها مفزع إلى العقل فلو لم يبتل العقل الذي هو أشرف الخلائق لاستمر العالم في أبهة العلم على المرودة, وما استأنس إلى التذلل لعز العبودة. والحكيم إذا صنف كتابا ربما أجمل فيه إجمالا وأبهم فيما أفهم منه إشكالا ليكون موضع جثوة التلميذ لأستاذه انقيادا فلا يحرم باستغنائه برأيه هداية منه وإرشادا فالمتشابه هو موضع جثوة العقول لبارئها استسلاما واعترافا بقصورها والتزاما. قوله:"وهذا أعظم الوجهين بلوى"أي الوقف عن الطلب أعظم ابتلاء من الإمعان في الطلب; لأن العقل جبل على صفة يتأمل في غوامض الأشياء ليقف على حقائقها فكان منعه عن ذلك أشد عليه من حمله على تحصيل ما يميل إليه كما أن الابتلاء بالترك في حق سائر الجوارح أشد من الابتلاء بالعمل; لأن النفس مائلة إلى الشهوات فكان امتناعها عنها أشق عليها من الإقدام على العمل; ولهذا كان ثوابه أجزل كما أشار إليه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله:"لترك ذرة مما نهى الله أفضل من عبادة الثقلين"ولهذا اختص به الراسخون في العلم; لأن ابتلاء الرجل على قدر دينه قال عليه السلام:"إن أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الأولياء ثم الأمثل فالأمثل"1, وأعمها نفعا أي في الدنيا بالأمن من الوقوع في الزيغ والزلل بسبب الاتباع, وجدوى أي في الآخرة بكثرة الثواب; لأنه لما كان أعظم ابتلاء كان الصبر فيه أشد

ـــــــ

1 أخرجه الترمذي 4/601 حديث رقم 2398 وأخرجه ابن ماجه 2/1334 حديث رقم 4023 وأخرجه الإمام أحمد في المسند 1/172 و 174 و185.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت