العمد في إيجاب الدية على العاقلة فكان نصا على الكفارة, وإذا قتل مسلم حربيا مستأمنا عمدا لم تلزمه الكفارة مع قيام الشبهة; لأن الشبهة في محل الفعل
ـــــــ
الكتاب أي في"المبسوط"شبهة العمد حيث أوجب الدية فيه على العاقلة فكان هذا تنصيصا على إيجاب الكفارة; لأن شبه العمد يوجب الكفارة. وإنما أكد الشيخ وجوب الكفارة بالرواية عن الطحاوي والجصاص وبدلالة رواية المبسوط لأنه قد روي عن أبي حنيفة رحمه الله أن الكفارة فيه لا تجب فقد قال أبو الفضل الكرماني في الإيضاح وجدت في كتب أصحابنا لا كفارة في شبه العمد على قول أبي حنيفة رحمه الله فإن الإثم كامل متناه وتناهيه يمنع شرع الكفارة; لأن ذلك من باب التخفيف.
قوله"وإذا قتل مسلم حربيا مستأمنا عمدا لم يلزمه الكفارة"يعني إذا قتله بالسيف حتى يكون عمدا بالإجماع فإنه لو قتله بالمثقل يجب الكفارة عند أبي حنيفة رحمه الله وهذه المسألة ترد إشكالا على الجواب الذي ذكره عن القتل بالمثقل وبيانه أن المسلم إذا قتل مستأمنا عمدا لا يجب عليه القصاص استحسانا وفي القياس يلزمه وهو رواية أحمد بن عمران1 أستاذ الطحاوي عن أصحابنا ورواية ابن سماعة عن أبي يوسف; لأن الشبهة المبيحة تنتفي عن الدم بعقد الأمان فلا جرم يجب القصاص بقتله على المستأمن والمسلم جميعا.
وجه الاستحسان أن الشبهة المبيحة بقيت في ذمة فإنه حربي ممكن من الرجوع إلى دار الحرب فجعل في الحكم كأنه في دار الحرب ولهذا يرث الحربي ولا يرث الذمي وإن كانا في دار الإسلام فلا يتحقق المساواة بينه وبين من هو من أهل دارنا في العصمة, والقصاص يعتمد المساواة فلا يجب القصاص على المسلم بقتله ولكن يجب عليه دية الحر المسلم; لأن أصل العصمة يثبت التقوم في نفسه حين استأمن كما يثبت التقوم في ماله حتى يضمن بالإتلاف فصار حاله في قيمة نفسه كحال الذمي فكما يسوى بين دية المسلم والذمي عندنا, فكذلك يسوى بين دية المسلم والمستأمن,
ثم الشبهة في المسألة الأولى أعني مسألة المثقل أثرت في إيجاب الكفارة كما أثرت في إسقاط القصاص والشبهة في هذه المسألة أثرت في إسقاط القصاص ولم تؤثر في إيجاب الكفارة. فأجاب وقال: الشبهة هاهنا في محل الفعل لا في الفعل فإن دم المستأمن لا يماثل دم المسلم في العصمة حتى لو ثبت المماثلة بأن قتل المستأمن في دارنا مستأمنا آخر أو قطع طرفه وجب القصاص, كذا في السير الكبير. فاعتبرت في القود
ـــــــ
1 هوأحمد بن أبي عمران بن عيسي أبو جعفر البغدادي توفي سنة 280ه.