مشروعا بأصله غير مشروع بوصفه فيصير فاسدا هذا غاية تحقيق هذا الأصل فأما الشافعي رحمه الله فقد حقق المقتضى وأبطل المقتضي وهذا في غاية
ـــــــ
حرمة الفعل لازمة أبدا لمعنى راجع إلى المنهي عنه لأن الوصف منه قال صاحب القواطع في الجواب عما ذكرنا إن الفعل المشروع وجوده بأمرين بفعل العبد وبإطلاق الشرع فبالنهي انتهى الطلاق فلم يبق مشروعا فأما تصور الفعل من العبد فعلى حاله فيصح النهي بناء عليه ببينة أن العبد مأذون بالصوم مأمور به وليس في وسعه إلا النية والإمساك فأما اعتباره وصيرورته عبادة فمفوض إلى الشرع لا إلى العبد فبالنهي خرج الفعل عن الاعتبار وصيرورته صوما لزوال إذن الشرع وإطلاقه فلم يكن الفعل صوما نظرا إلى زوال إطلاق الشرع وكان صوما نظرا إلى فعل العبد وإذا بقي تصور الفعل من العبد صح النهي وتحقق ولهذا لو ارتكبه كان عاصيا مستحقا للعقاب لارتكاب المنهي عنه وإتيانه بما في وسعه وطاقته من فعل الصوم إذ ليس في وسعه في جميع الأحوال إلا هذا القدر الذي وجد منه. قال وهذا لأن الصحة والفساد معنيان متلقيان من الشرع وليس إلى العبد ذلك وإنما إليه إيقاع الفعل باختياره فإن وقع على وفق أمر الشرع وإطلاقه صح وإلا فلا.
قال ولهذا أبطلنا صوم الليل وصوم الحائض مع تحقق الإمساك حسيا وصورة لأنه لما لم يوافق أمر الشرع لم يثبت له الحقيقة الشرعية قلت وحاصله يئول إلى أن النهي راجع إلى الفعل المتصور من العبد حسا لا شرعا والجواب عنه أنا لا نسلم أن فعل العبد بدون اعتبار الشرع إياه يسمى بالاسم الشرعي حقيقة فإن الصوم اسم لفعل معلوم معتبر في الشرع فبدون اعتبار الشرع لا يسمى صوما حقيقة ألا ترى أن الإمساك في الليل لا يسمى صوما وإن وجدت النية لعدم اعتبار الشرع إياه وإذا كان كذلك كان صرف النهي إليه مجازا لا حقيقة والنهي ورد عن مطلق الصوم فلا يحمل على حقيقته إلا بدليل يوضحه أن الصوم إنما صار صوما بصورته ومعناه وكذا كان البيع ومعنى الصوم كونه صوما في حكم الله تعالى ومعنى البيع كونه سببا للملك فإذا لم يوجد المعنى لم يبق للصورة عبرة فلا يسمى صوما وبيعا إلا مجازا كتسمية صورة الأسد أسدا وأجاب الغزالي أيضا في المستصفى عما ذكرنا أن الاسم يصرف إلى موضوعه اللغوي إلا ما صرفه عرف الاستعمال في الشرع وقد ألفينا عرف الشرع في الأوامر أنه يستعمل الصوم والصلاة والبيع لمعانيها الشرعية أما في المنهيات فلم يثبت هذا العرف المغير للوضع بدليل قوله عليه السلام دعي الصلاة أيام إقرائك وقوله جل ذكره: {وَلا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ} [النساء: 22] . وأمثال هذه المناهي عما لا ينعقد أصلا فلم يثبت فيه عرف استعمال الشرع أو تعارض فيه عرف الشرع فيرجع إلى أصل الوضع ونقول من صام يوم النحر فقد ارتكب المنهي عنه وإن لم ينعقد صومه.