فمن جعل الوجوب متعلقا بأول الوقت قال الواجب الموقت لا ينتظر لوجوبه بعد استكمال شرائطه سوى دخول الوقت فعلم أنه متعلق به فكما في سائر الأحكام مع أسبابها وإذا ثبت الوجوب بأول الوقت لم يجز أن يكون متعلقا بما بعده لما ذكرنا من امتناع التوسع, وفائدة التوقيت على هذا القول أنه لو أتى بالفعل فيما بقي من الوقت يصلح أن يكون قضاء بخلاف الصوم إذا فات عن أول أوقاته بأن أكل أو شرب بعد الصبح فإنه لا يكون الإمساك فيما بقي قضاء, ووجه ما ذهب إليه العراقيون أنه لما جاز له التأخير إلى أن يتضيق الوقت وامتنع التوسع لما ذكرنا كان الوجوب متعلقا بآخره., ثم المؤدى قبله إما أن يكون نفلا كما قال البعض; لأنه متمكن من الترك في أول وقت لا إلى بدل وإثم وهذا حد النفل إلا أن المطلوب يحصل بأدائه وهو إظهار فضيلة الوقت فيمنع لزوم الفرض كمن توضأ قبل دخول الوقت يقع نفلا; لأنه إنما يجب للصلاة فما لم يحضر وقتها لا يوصف بالوجوب ومع هذا يمنع لزوم الفرض بعد دخول الوقت, وإما أن يكون موقوفا كالزكاة المعجلة قبل الحول فإنه إذا عجل شاة من أربعين شاة إلى الساعي ثم تم الحول وفي يده ثمان وثلاثون له أن يسترد المدفوع إن كان قائما وإن كان الساعي تصدق به كان تطوعا ولو تم الحول وفي يده تسع وثلاثون كان المؤدى زكاة وكالجزء الأول من الصلاة فإنه لا يوصف بالوجوب ما لم يتصل بباقي أجزاء الصلاة فإن اتصل بمجموعها يوصف بالوجوب وإلا فلا. وتمسك الجمهور بالنصوص والإجماع, فإن قوله تعالى: {أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ} [الاسراء: 78] , وقول جبرائيل للنبي عليهما السلام في حديث:"الإمامة ما بين هذين وقت لك ولأمتك"1, وقول النبي صلى الله عليه وسلم:"إن للصلاة أولا وآخرا"2, أي لوقتها يتناول جميع أجزاء الوقت ويدل على أن جميعها وقت الأداء الواجب وليس المراد تطبيق فعل الصلاة على أول الوقت وآخره ولا فعلها في كل جزء بالإجماع فلم يبق إلا أنه أريد به أن كل جزء منه صالح لوقوع الفعل فيه ويكون المكلف مخيرا في إيقاعه في أي جزء أراد ضرورة امتناع قسم آخر فثبت أن التوسع ثابت شرعا.
وليس بممتنع عقلا أيضا كما زعموا فإن السيد إذا قال لعبده خط هذا الثوب في بياض النهار إما في أوله أو في وسطه أو في آخره كيف ما أردت فمهما فعلت فقد امتثلت إيجابي كان صحيحا ولا يخلو إما أن يقال ما أوجب شيئا أصلا أو أوجب مضيقا وهما
ـــــــ
1 أخرجه الترمذي في الصلاة حديث رقم 149 - 150 وأبو داود في الصلاة حديث رقم 393 والإمام أحمد في المسند 1/333 و354.
2 أخرجه الترمذي في الصلاة حديث رقم 151 والإمام أحمد في المسند 2/232.