لما احتمل الوجهين أمرناه بالفدية احتياطا فلئن كان مشروعا فقد تأدى وإلا فليس به بأس ثم لم نحكم بجوازه مثل ما حكمنا به في الصوم; لأنا حكمنا به في الصوم قطعا ورجونا القبول من الله تعالى في الصلاة فضلا. وقال محمد رحمه الله في الزيادات في هذا يجزيه إن شاء الله كما إذا تطوع به الوارث في الصوم
ـــــــ
معقول المعنى حتى لم يكن للقياس فيه مدخل. لأنا نقول لا بد في الدلالة من كون المعنى المؤثر في الحكم معلوما سواء كان التأثير في ذلك الحكم معقولا كالإيذاء في التأفيف أو غير معقول كالجناية على الصوم في إيجاب الكفارة المكيفة المقدرة وها هنا المعنى الذي هو المؤثر في إيجاب الفدية غير معلوم فلا يمكن إثباته بالدلالة كما لا يمكن بالقياس, ثم إذا مات وعليه صلوات يطعم عنه لكل صلاة نصف صاع من حنطة أو صاع من غيرها, وكان محمد بن مقاتل1 يقول أو لا يطعم عنه لكل يوم نصف صاع على قياس الصوم ثم رجع فقال كل صلاة فرض على حدة بمنزلة صوم يوم وهو الصحيح كذا في المبسوط وغيره وهذا إذا أوصى بالفدية عن الصلاة فإن لم يوص وتبرع بها الوارث قيل لا يسقط الصلوات عن الميت; لأن الاختيار فيه معدوم أصلا ولأنه أدنى رتبة من الإيصاء فيحكم فيه بعدم الجواز إظهارا لانحطاط رتبته كما فعل كذلك في الصوم. وقيل تسقط عنه إن شاء الله تعالى كما في الإيصاء; لأن دليل الجواز وهو الرجاء إلى فضل الله وكرمه يشمل الإيصاء والتبرع جميعا يوضحه ذكر في النوازل سئل أبو القاسم عن امرأة ماتت وقد فاتتها صلوات عشر أشهر ولم تترك مالا فقال لو استقرض ورثتها قفيز حنطة ودفعوها إلى مسكين ثم يهبها المسكين لبعض ورثتها يتصدق بها على المسكين فلم يزل يفعل كذلك حتى يتم لكل صلاة نصف صاع أجزأ ذلك عنها فتبين بهذا أن التبرع فيه كالإيصاء.
وقد لزم الشيخ مسألة أخرى فتصدى لها أيضا فقال: فإن قيل لا مثل للأضحية عقلا ولا نصا وقد أوجبتم بعد فوات وقتها التصدق بالعين فيما إذا كانت الشاة التي عينت للتضحية بالنذر أو بالشراء الصادر من الفقير بنية الأضحية باقية بعد أيام النحر فإنه يلزمه التصدق بعينها حية أو بالقيمة فيما إذا استهلكت الشاة المعينة للتضحية بالنذر أو غيره أو كان غنيا ولم يضح أصلا حتى مضت أيام النحر فإنه يلزمه التصدق بالقيمة كذا في الإيضاح والمبسوط قلنا: لأن التضحية ثبتت قربة بالنص وهو قوله تعالى: وَالْبُدْنَ
ـــــــ
1 هو محمد بن مقاتل الرازي توفي سنة 242 هـ انظر كشف الظنون 2/1457.