المجهول في رواية الحديث بأن لم يعرف إلا بحديث أو بحديثين مثل
ـــــــ
ولم ينقل هذا القول عن أصحابنا أيضا بل المنقول عنهم أن خبر الواحد مقدم على القياس ولم ينقل التفضيل, ألا ترى أنهم عملوا بخبر أبي هريرة رضي الله عنه في الصائم إذا أكل أو شرب ناسيا, وإن كان مخالفا للقياس حتى قال أبو حنيفة رحمه الله لولا الرواية لقلت بالقياس ونقل عن أبي يوسف - رحمه الله - في بعض أماليه أنه أخذ لحديث المصراة وأثبت الخيار للمشتري. وقد ثبت عن أبي حنيفة رحمه الله أنه قال ما جاءنا عن الله وعن رسوله فعلى الرأس والعين ولم ينقل عن أحد من السلف اشتراط الفقه في الراوي فثبت أن هذا القول مستحدث وأجاب عن حديث المصراة والعرية وأشباههما فقال: إنما ترك أصحابنا العمل بها لمخالفتها الكتاب أو السنة المشهورة لا لفوات فقه الراوي وأن حديث المصراة مخالف لظاهر الكتاب والسنة كما بينا وحديث العرية مخالف للسنة المشهورة وهي, قوله عليه السلام:"والتمر بالتمر مثل بمثل كيل بكيل"على أنا لا نسلم أن أبا هريرة رضي الله عنه لم يكن فقيها بل كان فقيها ولم يعدم شيئا من أسباب الاجتهاد وقد كان يفتي في زمان الصحابة وما كان يفتي في ذلك الزمان إلا فقيه مجتهد وكان من علية أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ورضي عنهم وقد دعا النبي عليه السلام له بالحفظ فاستجاب الله تعالى له فيه حتى انتشر في العالم ذكره وحديثه وقال إسحاق الحنظلي ثبت عندنا في الأحكام ثلاثة آلاف من الأحاديث روى أبو هريرة منها ألفا وخمسمائة وقال البخاري روى عنه سبعمائة نفر من أولاد المهاجرين والأنصار وقد روى جماعة من الصحابة عنه فلا وجه إلى رد حديثه بالقياس.
قوله"وأما المجهول"إلى آخره واعلم أن عامة السلف وجماهير الخلف اتفقوا على عدالة جميع الصحابة رضي الله عنهم; لأن عدالتهم ثبتت بتعديل الله تعالى إياهم وثنائه عليهم في آي كثيرة مثل قوله تعالى {وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ} "التوبة: 100"الآية وقوله عز اسمه {وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ} "الفتح: 29"وقوله جل ثناؤه {لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ} "الفتح: 18"في شواهد لها كثيرة وبقول الرسول صلى الله عليه وسلم:"أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم", ولا شك أنه لا اهتداء من غير عدالة وقوله عليه السلام:"لا تذكروا أصحابي إلا بخير فلو أنفق أحدكم ملء الأرض ذهبا ما أدرك مد أحدهم, ولا نصيفه1". وقوله عليه السلام:"إن الله تعالى اختار لي أصحابا"
ـــــــ
1 أخرجه مسلم في فضائل الصحابة حديث رقم 2540 وأبو داود في السنة حديث رقم 4658 والترمذي في المناقب حديث رقم 3861 وابن ماجة في االمقدمةحديث رقم 161.