فهرس الكتاب

الصفحة 436 من 743

ويتجلى النصر أيضًا بقصة خبيب رضي الله عنه عندما كان مصلوبًا بين أيدي كفار قريش وليس بينه وبين الموت إلا لحظات كما في رواية أبي الأسود عن عروة حيث قال: (فلما وضعوا فيه السلاح وهو مصلوب نادوه وناشدوه أتحب أن محمدا مكانك قال لا والله العظيم ما أحب أن يفديني بشوكة في قدمه) الله أكبر ما أعظمه من نصر وعلو.

وكم من أمة قتلت وأبيدت وانتدثرت لم يخلد الله ذكرها ويثني عليها كما أثنى على أولئك الذين وصفهم بأنهم فازوا فوزًا كبيرا، لقد ساوم أهل الكفر أصحاب الأخدود على أمرين إما الرجوع عما هم عليه أو الموت حرقًا بالنار والثبات على المبادئ، فلم تكن نار الدنيا لترجعهم عما هم عليه، فآثروا النجاة من نار الآخرة بدخول نار الدنيا، فتهافتوا في النار كأنهم جراد بإقدام وفداء لم يرعهم منظر النيران العظيمة، بل دخلوا فيها لينتصروا، وعندما تقاعست امرأة واحدة وفكرت وغاب عنها مفهوم النصر أنطق الله رضيعها ليشرح لها مفوهم النصر الحقيقي والفوز الكبير، فقال لها كما جاء عند مسلم: (يا أمه أصبري فإنك على الحق) ، فقفزت في النار فانتصرت ورضيعها.

فخلد الله ذكرهم مادحًا لهم بما لم يمدح به أحدًا قبلهم ولا بعدهم فقال: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ) فكل مؤمن غاب عنه معنى النصر الحقيقي كتلك المرأة منهم فإن هذه الآية وهذا المدح وهذه الشهادة تبين معنى النصر وتوضح ما غاب عن الأفهام.

المعنى السابع من معاني النصر:

ومن معاني النصر أن ينصر الله عباده نصر حجة وبيان وهو قريب من المعنى الذي سبق إلا أنه يفترق أن المبدأ المنتصر هنا لا يكون لازمًا على المنتصر بل يتعدى إلى غيره سواء مات صاحبه أم لم يمت، المهم أن حجته تبلغ ويقتنع بها أقوام ولو كان مستضعفًا لم ينتصر نصرًا ميدانيًا، كما قال تعالى عن نصر حجة إبراهيم عليه السلام على قومه بعد مناظرتهم حيث قال: (وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ) والرفع هو الانتصار، وكذلك نصر الله إبراهيم على النمرود عندما حاجّه فقال الله: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَاتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَاتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) .

وفي قصة انتصار مبدأ غلام أصحاب الأخدود دليلٌ واضحٌ على معنى نصر المبدأ، فقد قتل الغلام ولكن حجته ومبدأه انتصر وغلب كفر الملك وأسلم الناس جميعًا، فنصر الحجة بسبب مقتل الغلام وثباته قبل مماته كان نصرًا ظاهرًا هزم الكفر في عصره رغم ما يملكه الكفر من قوة وسطوة إلا أنه اندحر أمام ذلك الثبات والمبدأ والمعتقد العظيم.

والطائفة المنصورة أخبر الرسول صلى الله عليه وسلم بظهورها ونصرها فقال كما في الصحيحين: (لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق، لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله وهم كذلك) . فهذا الظهور أدناه أنه ظهور حجة وبيان، وقد يكون معه ظهور دولة وسلطان، ولكن رغم خذلان الأمة لهم واجتماع أعدائهم عليهم فإنهم ظاهرون.

المعنى الثامن من معاني النصر:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت