فهرس الكتاب

الصفحة 387 من 743

وإلا فبأي كتاب أم بأية سنة احتج هؤلاء لما يقولون؟ وكيف تعطل النصوص؟ وتأخر الأوامر بحجة أن النفوس ليست قابلة لتطبيقها لما في القلوب من درن وما عليها من حوب وذنوب؟ وهل ثمة حجة اقبح أو اسهل في التنصل من أوامر الله وإسقاطها من هذه؟ وهل ألفى طغاة العصر وعتاة الدهر سلاحا أنكى في صدور أعدائهم من هذا؟ وهل كل ما استحسنته عقولنا أو رضيته نفوسنا؟ نقبنا له بتكلف وتعسف ما يبرره لنجعله حجة في دين الله تعالى، ندفع بها في وجوه الآخرين، أهذا هو منهج السلف الذي ندعو إليه ونوالي ونعادي عليه؟

والجهاد كما نعلم عبادة أمر الله تعالى عباده بأدائها وجعلها باقية إلى قيام الساعة كما اخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح (الجهاد ماض إلى يوم القيامة) وقد تجلى لنا من قبل المفهوم الحقيقي والتصور الصحيح للتربية وفقا لدلائل الآيات والأحاديث والفهم المستقيم من أئمة الإسلام ونوابغه الأعلام.

وعليه فإن عبادة الجهاد هي افضل ما يزكي العبد به نفسه وينقيها من درنها ورانها بعد الإيمان بالله تعالى كما قال سبحانه (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) ، وكما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم في الاحاديث الصحيحة أن الجهاد لاتعدله عبادة وانه ذروة سنام الإسلام، فبه تُغفر الذنوب، والى قمته السامقة ترتقي النفوس الزكية، فتزداد يقينا إلى يقينها وشفافية إلى شفافيتها فتظهر النفس في احسن أحوالها، وأعلى درجاتها.

وحتى وان قصد بالتربية الزهد في الدنيا والرغبة فيما عند الله تعالى - وهذا داخل في مفهوم التربية وليس كل التربية - فإن الجهاد افضل من يحقق هذا في العبد، فالمجاهد يتوقع في كل لحظة أن تغادر روحه جسده ويلقى ربه عز وجل بل هو يتوق إلى ذلك لعلمه بما اعد الله تعالى للشهداء في سبيله، ومن كانت هذه حاله فلا تسأل عن زهده في الدنيا وتعلقه بالدار الآخرة.

ثم لنفترض أن التربية التي ينادي بها البعض هي بالمفهوم الحق وهو الإعداد بشقيه المادي والمعنوي، فإن هذا الإعداد مضبوط بأحكام الشرع وفق فهم بصير بالواقع، لذلك فان هذا الإعداد إذا رجع على اصله (وهو الجهاد) بالنقض والإبطال فهو من هذه الجهة باطل، فكل (تكملة من حيث هي تكملة إذا رجعت على اصلها بالإبطال فهي باطلة) ، وهذا كرجل يستعد للصلاة بالوضوء والسواك وقد أقيمت الصلاة وهو لا يزال يتسوك بحجة الاستعداد للصلاة.

وقد جعل الله سبحانه الإعداد الحق فارقًا وفيصلًا بين الإيمان والنفاق فالمنافقون في عهد النبي صلى الله عليه وسلم زعموا أنهم يريدون الخروج مع النبي صلى الله عليه وسلم للغزو والجهاد في سبيل الله تعالى، فكذَّبهم الله تعالى وفضح حقيقة أمرهم وجعل الإعداد للجهاد والخروج مع النبي صلى الله عليه وسلم علامة على صدق الرجل من كذبه كما قال عز وجل (وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً) ، والإعداد لأي أمر يكون بالشيء الذي يتعلق به ويتوقف عليه، فأين هذا ممن ينكر على تعلم آلة الجهاد وتعويد النفس على المشاق، وتنظيم الصفوف وتحريض المؤمنين على الجهاد في سبيل الله تعالى؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت