إذًا لابد أن نوصل العدو الصليبي إلى هذه المرحلة وهي أن نقاتله من حيث لا يشعر، العدو الصليبي في العراق لا يمكن له أن ينفصل عن الناس لأن مهمته هي السيطرة على العراق وإدارة شئونها، وهذا يقتضي منه أن يختلط بالمسلمين، واختلاطه بهم لن يمكنه من استخدام كل أساليبه العسكرية ضد من أراد قتاله، فهو حجم نفسه، لأن مهمته التي فرضها على نفسه ألزمته بأن يكون في تماس دائم مع المسلمين، وبهذا فإن حرب العصابات ستنهكه كثيرًا ولن يتمكن خلالها أن يدافع عن نفسه بآلته العسكرية بشكل كامل.
نعم سيقتل منا عددًا ربما يكون كبيرًا أو بأسلوب بشع، ولكن هذا هو ثمن العزة، سيؤسر منا عدد ولكن هذه هي ضريبة رفع ذل لسنين مضت، سيجرح منا آخرون ولكن يبقى أن جروحنا التي نزفت قديمًا ستتوقف عن النزيف كلما زادت جراحنا في الميدان، ونزيف جروحنا في الميدان ستقل إذا زاد نزيف جروح العدو، وعندما تزيد جراح العدو ستندمل جراحنا في كل مكان، ومن أبى أن نجرح العدو فهو يرضى بأن يستمر نزيف جراحنا، يقول تعالى (يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه وأنه إليه تحشرون) قال المفسرون دعاكم لما يحييكم هو الجهاد أو الحرب كما ذكر القرطبي، فالجهاد هو حياة الأمة، فمن سيقتل في الجهاد سيكون دمه سدًّا أمام إراقة دماء مئات الآلاف من أبناء الأمة بعده، فالجهاد هو حياة الأمة، وحينما نجاهد فإن قتلانا أقل بكثير من قتلى الأمة إذا تركت الجهاد، والتاريخ شاهد على ذلك ولا نطيل بسرد الوقائع، ولكن نقول بأن الأمة عندما تركت الجهاد اجتاح التتار العراق فقتلوا مليون مسلم، وعندما رفع العلماء راية الجهاد مع الملك المظفر قطز وباعوا أنفسهم لله، قاتلوا فلم يقتل منهم ألف وانتصروا على التتار الذين جروا أذيال الهزيمة، ولو أن طائفة من أهل العراق باعت نفسها لله وقاتلوا التتار بصدق كصدق أهل مصر لنصرهم الله تعالى، ولو قتل منهم الكثير فلن يصل القتل فيهم على أسوأ الأحوال إلى ما وصل إليه عندما تخاذلوا عن الجهاد ورضوا بالسلامة واجتاحهم التتار، فالجهاد حياة الأمة، وحينما تترك الأمة الجهاد فسوف يصيبها في كل قطر ما أصاب إخواننا في فلسطين وفي كشمير وأفغانستان والشيشان والعراق وفي غيرها من ديار الإسلام، وسيقول كل قطر إذا داهمه العدو أكلت يوم أكل الثور الأبيض.
فخلاصة القول بأن دخول العدو إلى هذا العمق وشن العدوان على المسلمين لايمكن من الناحية العسكرية إلا عندما وجد من الخونة من يعينه على مستوى الحكومات والجيوش، أما من ناحية الشعوب فإنه لن يستطيع إذا ما نهضت الشعوب وثارت ثورة رجل واحد لقتال العدو بأسلوب حرب العصابات واستنزفته وقعدت له كل مرصد لتقتله حتى يفر هاربًا من بلاد المسلمين.