فهرس الكتاب

الصفحة 170 من 316

كنوز السيرة للشيخ عثمان الخميس - 7

الشيخ عثمان الخميس

قال ابن القيّم رحمه الله تعالى: ولم يكن بينهم قتال وإنما أغار عليهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم على الماء بعد أن فرّ أكثر مقاتليهم فسبى ذراريهم وأموالهم كما جاء عنه قال: أغار رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على بني المصطلق وهم غارّون وهذا في صحيح البخاري وكان من جملة السبي في هذه الغزوة جويرية بنت الحارث سيد قومه وكانت في سهم ثابت بن قيس فكاتبها والمكاتبة هي أن يقول لها لك حريتك على أن تعطيني شيئًا من المال مثل مائة دينار أو مائتين حسب ما يتفق وإياها عليه فلما سمع النبي صلى الله عليه وآله وسلم بذلك أدى عنها ثمّ تزوجها صلوات الله وسلامه عليه وهي حرة ولما سمع المسلمون بأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد تزوج بجويرية اعتقوا من كان معهم من ذراري وسبي بني خزاعة وقالوا: أصهار رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. وقد مرَّ أن المنافقين خرجوا مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم وكان رأسهم عبد الله بن أبي بن سلول.

ووقعت حادثتان من هذا المنافق في تلك الغزوة، أما الحادثة الأولى: فإن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان معه أجير يقال له جهجاه الغفاري ازدحم هو وسنان بن وبر الجهني (بضم الجيم) على الماء (يعني تخاصما على الماء) فاقتتلا فصرخ الجهني فقال: يا معشر الأنصار ثم صرخ جهجاه وقال: يا معشر المهاجرين. عند ذلك قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: أَبِدَعوة الجاهلية وأنا بين أظهركم (وهذا يدل على أن الناس إلى الآن فيهم من لم يدخل الإيمان قلبه تمامًا ففيه بعض أمور الجاهلية وذلك أنه دعا بدعوة الجاهلية وقال يا معشر الأنصار والآخر يا معشر المهاجرين فهذا يريد أن يقوم معه الأنصار والآخر يريد أن يقوم معه المهاجرون بغض النظر عن الحق مع من يكون) ولذلك قال الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أبدعوة الجاهلية فسماها جاهلية صلوات الله وسلامه عليه دعوها فإنها منتنة فلما سمع عبد الله بن أبي بن سلول بذلك الحدث وهو أن هذا المهاجري قال: يا معشر المهاجرين أمام الأنصاري وهم في بلادهم يعني في المدينة والأنصار كما تعلمون قد آووا المهاجرين وأسكنوهم في منازلهم وزوجوهم من نسائهم وأعطوهم من أموالهم فغضب عبد الله بن أبي بن سلول عند ذلك ثمّ قال أَوَقَد فعلوها؟! قد نافرونا وكاثرونا في بلادنا والله ما نحن وهم إلا كما قال الأول: سمّن كلبك يأكلك أما والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجنّ الأعزُّ منها الأذلَّ ثم أقبل على من حضره فقال لهم: هذا ما فعلتم بأنفسكم أحللتموهم بلادكم وقاسمتموهم أموالكم أما والله لو أمسكتم عنهم ما بأيديكم لتحول إلى غير دياري.

وسمع زيد بن أرقم وكان شابًا صغيرًا فذهب إلى عمه فأخبره فأخبر عمه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وكان عند رسول الله عمر فقال عمر: يا رسول الله مر عباّد بن بشر فليقتله لأن قوله سمّن كلبك يأكلك وقوله ليخرجنّ الأعز منها الأذل عن المهاجرين وشمل معهم سيدهم ورسولهم صلى الله عليه وآله وسلم فقال الرسول صلى الله عليه وآله وسلم: فكيف يا عمر إذا تحدث الناس إنّ محمدًا يقتل أصحابه؟ ثم سكت النبي صلى الله عليه وآله وسلم فلما ارتحل الناس جاء أسيد بن حضير رضي الله تبارك وتعالى عنه إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال له الرسول صلى الله عليه وآله وسلم: أما بلغك ما قال صاحبكم؟ أي عبد الله بن أبي بن سلول لأن أسيد بن حضير من رؤوس الأنصار كان سيدا من سادات الأوس. فقال: وما قال؟ فقال الرسول صلى الله عليه وآله وسلم: زعم إن رجع إلى المدينة ليخرجنّ الأعز منها الأذل. فقال أسيد بن حضير: فأنت يا رسول الله تخرجه منها إن شئت، هو والله الذليل وأنت والله العزيز. ثمّ قال: يا رسول الله ارفق به والله لقد جاءنا الله بك وإن قومه لينظمون له الخرز ليتوجوه فإنه يرى أنك استلبته ملكه. ثمّ مشى النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالناس أي في رجوعه غزوة بني المصطلق حتى أصبح وصدر يومه ذلك حتى آذتهم الشمس ثم نزل بالناس ووقعوا نيامًا (أي ناموا من شدة التعب وذلك أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لا يريدهم أن يتكلموا بهذا الأمر أتعبهم في المشي حتى مجرد أن يصلوا ينامون ولا يتكلمون بهذا الأمر ألا وهو كلام عبد الله بن أبي بن سلول في النبي صلى الله عليه وآله وسلم) وأصحابه أما عبد الله بن أبي فلما علم أن زيدًا بلّغ النبي صلى الله عليه وآله وسلم الخبر ذهب إلى النبي وحلف وقال: والله يا رسول الله ما قلت وإنما كذب علي زيد وقال من حضر من الأنصار: يا رسول الله عسى أن يكون الغلام قد أوهم في حديثه ولم يحفظ ما قال الرجل فصدقه قال زيد بن أرقم: فأصابني هم لم يصبني مثله قط لأنه كأنه يتهم بالكذب أو بعدم الفهم والأولى أقوى يقول: فجلست في بيتي من الحزن ويقصد في بيته إما أن يقصد المدينة عندما رجع وإما أن يقصد بيته في حال نزولهم في السفر يقول فأنزل الله جلّ وعلا"إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله والله يعلم إنك لرسوله والله يشهد إن المنافقين لكاذبون"إلى قوله تعالى"هم الذين يقولون لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا ولله خزائن السماوات والأرض ولكن المنافقين لا يعلمون يقولون لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين ولكن المنافقين لا يفقهون".

هنا بين الله تبارك وتعالى أن زيدًا لم يخطئ رضي الله تبارك وتعالى عنه وإنما أصاب بما قال وأن عبد الله بن أبي بن سلول كاذب في مدعاه عند ذلك أرسل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى زيد فقرأها عليه ثم قال له: إن الله قد صدقك أي فيما قلت. وهذا المنافق كان له ولد اسمه عبد الله كاسم أبيه فهو عبد الله بن عبد الله بن أبي بن سلول وكان رجلًا صالحًا من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم ولما بلغه أن والده قال هذا الكلام عن رسول الله وأصحابه وقف في مدخل والده إلى المدينة وقال له أأنت الذي تقول لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجنّ الأعز منها الأذل تريد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟ فوالله لرسول الله هو الأعز وأنت الأذل. فحمية العقيدة طغت على حمية الولادة وقدم حمية عقيدته على حمية ولادته ثم قال: والله لا تدخل إلى المدينة إلا وأنا قاتلك أو يأذن لك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. عند ذلك أمره النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يتركه ودخل إلى المدينة.

حادثة الإفك:

الحادثة الثانية العظيمة التي وقعت في هذه الغزوة ألا وهي حادثة الإفك. والإفك عظيم الكذب والافتراء وهذه الحادثة من كتاب صحيح الإمام البخاري رحمه الله تبارك وتعالى قال رحمه الله تبارك وتعالى: حدثنا يحي بن بكير قال: حدثنا الليث عن يونس عن ابن شهاب قال: أخبرني عروة بن الزبير وسعيد بن المسيب وعلقمة بن وقاص وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وآله وسلم حين قال لها أهل الإفك ما قالوا فبرأها الله مما قالوا وكل حدثني طائفة من الحديث وبعض حديثهم يصدق بعضا وإن كان بعضهم أوعى لهم من بعض. هذه الحادثة في الحقيقة فيها عبر عظيمة جدًا ولعل الواحد منا عندما يقرأ هذه الحادثة أن تهمل عيناه بالدموع وأن يستشعر القصة ويحاول أن يكون حاضرًا بقلبه على الأقل وأن يستخرج منها الدروس والعبر.

قال الإمام الزهري رحمه الله تعالى: الذي حدثني عروة عن عائشة رضي الله عنها أن عائشة رضي الله عنها زوج النبي صلى الله عليه وآله وسلم قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا أراد أن يخرج أقرع بين أزواجه فأيتهنّ خرج سهمها خرج بها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم معه قالت: فأقرع بيننا في غزوة غزاها (أي هذه الغزوة) فخرج سهمي فخرجت مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. [1] فخرجت مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بعدما نزل الحجاب (تقصد بعدما نزلت آية الحجاب) فأنا أحمل في هودجي وأنزل فيه [2] فسرنا حتى إذا فرغ الرسول صلى الله عليه وآله وسلم من غزوته تلك (أي غزوة بني المصطلق) وقفل (أي رجع) ودنونا من المدينة قافلين آذن ليلة بالرحيل [3] فقمت حين آذنوا بالرحيل فمشيت حتى جاوزت الجيش فلما قضيت شأني أقبلت على راحلتي فإذا عقد لي من جزع أظفار قد انقطع (والجزع هو الخرز فيه شيء من الطيب كانت تلبسه النساء في ذلك الوقت) فالتمست عقدي وحبسني ابتغاؤه وأقبل الرهط الذين كانوا يرحّلون لي راحلتي فاحتملوا هودجي فرحلوه على البعير الذي كنت ركبت وهم يحسبون أني فيه وكان النساء إذ ذاك خفافًا لم يثقلهنّ اللحم وإنما يأكلن العُلَقة (بضم العين وفتح اللام) من الطعام (أي القليل) فلم يستنكر القوم خفة الهودج حين رفعوه وكنت جارية حديثة السن (كان لها من العمر ثلاث عشرة سنة) فبعثوا الجمل وساروا فوجدت عقدي بعدما استمر الجيش فجئت منازلهم وليس بها داع ولا مجيب. (فلتحاول كل امرأة أن تضع نفسها أو ابنتها مكان عائشة رضي الله عنها فتاة صغيرة في ليل مظلم وحدها في مكان مقفر والناس كلهم قد ذهبوا رضي الله عنها وأرضاها) .

تقول عائشة رضي الله عنها فأممت منزلي الذي كنت به وظننت أنهم سيفقدوني ويرجعون إليَّ (وهذا من فطنتها وذكائها رضي الله عنها ولو كان غيرها من النساء لصاحت وصارت تركض يمينًا ويسارًا شرقًا وغربًا تبحث عن أهلها ولكن عائشة رضي الله عنها لكمال عقلها جلست في مكانها لأنها علمت أنها لو خرجت خلفهم ستضيع) . تقول فبينا أنا جالسة في منزل (أي في مكان) غلبتني عيني فنمت (وهذا يدل على أمرين اثنين أما الأمر الأول فهو شجاعة عائشة رضي الله عنها أما الأمر الثاني فهو رعاية الله لها وذلك أن الله تبارك وتعالى ألقى عليها النوم حتى لا تبدأ تفكر في القوم وفيما سيأتي إليها من حيوانات أو أناس أو غير ذلك) . تقول: وكان صفوان بن المعطّل السلمي (بضم السين) ثم الذكواني من وراء الجيش فأدلج (أي مشى في الليل) فأصبح عند منزلي (والغريب في هذا الرجل رضي الله عنه أنه كان هو وقبيلته كلهم كانوا معروفين بكثرة النوم حتى إنه جاء حديث أن زوجته جاءت تشتكي إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم صفوان بن المعطّل وتقول: يا رسول الله إن صفوان لا يصلي الفجر فناداه النبي صلى الله عليه وآله وسلم وسأله؟ قال: يا رسول الله إننا قوم قد عرفنا بالنوم ننام حتى تطلع الشمس) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت