فهرس الكتاب

الصفحة 164 من 316

فالكلب أجلّكم الله عندما صاحب أهل الكهف الله عز وجل رفع من شأنه قال تعالى:"وكلبهم باسط ذراعيه بالوسيط"، فعندما صاحب أهل المعروف والناهين عن المنكر الله رفعه عز وجل وهو كلب وذكره تكريمًا له لأنه شارك المؤمنين وخرج معهم وحفظهم ويحرسهم. فكيف بنبي من الأنبياء؟ فرفع الله تبارك وتعالى من شأنه فقدمه على ذكر موسى. ولكن قدم موسى عليه في آيتين أخرتين. وهذه حكمة وهناك حكمة ثانية، وذلك أن كتب التاريخ دائمًا ككتاب البداية والنهاية، تاريخ الطبري تجدون أول اسم مذكور هل هو النبي صلى الله عليه وسلم أو آدم عليه السلام؟ آدم عليه السلام هو الذي يذكر قبل، فكتب التاريخ تتكلم عن التسلسل التاريخي، فسورة طه تتكلم عن التسلسل التاريخي فماذا قال لموسى؟ قال تعالى:"قد أوتيت سؤلك يا موسى & ولقد مننا عليك مرة أخرى & إذ أوحينا إلى أمك ما يوحى"فلاحظوا التسلسل التاريخي ولو أكملنا القراءة لوجدنا أنه يصلح أن يقدّم هارون على موسى لأن هارون هو الذي ولد قبل موسى فقدّم هارون على موسى لأن المسألة فيها تسلسل تاريخي.

*عندما تقرأ قول الله تبارك وتعالى في سورة البقرة:"وإذ استسقى موسى لقومه فقلنا اضرب بعصاك الحجر فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا قد علم كل أناس مشربهم كلوا واشربوا من رزق الله ولا تعثوا في الرض مفسدين"بينما في سورة الأعراف قال تعالى:"إذ استسقاه قومه أن اضرب بعصاك الحجر فانبجست منه اثنتا عشرة عينا"الإنبجاس هو بداية الظهور. فلماذا في سورة البقرة قال: انفجرت وفي الأعراف قال:انبجست؟

قال بعضهم كزمخشري: إن سورة الأعراف سورة مكية فهي في بداية الدعوة، فلذلك قال تعالى: فانبجست، بينما سورة البقرة سورة مدنية فالآن انتشار الإسلام، فلذلك قال تعالى: فانفجرت. لكن ما هو أحسن من هذا هو أن الله تبارك وتعالى في سورة الأعراف قال:"إذ استسقاه قومه"عندما طلبوا من موسى وهو المخلوق قال: فانبجست، وهذه إحدى العطايا، ونعمة من النعم، لكن عندما نسب الله عز وجل الطلب إليه فذكر نعيم أعظم فقال تعالى في سورة البقرة:"وإذ استسقى موسى لقومه"فموسى هو الذي طلب من الله عز وجل، فعندما كان الطلب من الله أتى الخير سابق أتى إلى هذه الأمة، فقال تعالى:"فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا". فلذلك أخي الكريم إذا أردت أن تطلب فاطلب من الله عز وجل، وإذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، فالخير سيأتيك، ولكنك أنت لا تعلم أين الخير؟ ولكن الله عز وجل يعلم، فتأتي النعم سابقه لك أنت إذا توجهت إلى الله عز وجل، ولكن إذا توجهت إلى مخلوق فتوقع ربما تُرَد، ربما تضايق وربما تحرج أو لربما يأتيك خير قليل جدًا.

* قال تعالى لبني إسرائيل في سورة الأعراف:"وإذ قيل لهم اسكنوا هذه القرية وكلوا منها حيث شئتم وقولوا حطة وادخلوا الباب سجدا نغفر لكم خطيئاتكم سنزيد المحسنين& فبدل الذين ظلموا منهم قولًا غير الذي قيل لهم فأرسلنا عليهم رجزًا من السماء بما كانوا يظلمون"، بينما في سورة البقرة قال تعالى:"وإذ قلنا ادخلوا هذه القرية فكلوا منها حيث شئتم رغدا وادخلوا الباب سجدا وقولوا حطة نغفر لكم خطاياكم وسنزيد المحسنين&"

قيل أن القرية هي بيت المقدس، فالله عز وجل ذكر في سورة الأعراف تعنّت بني إسرائيل، فهو الذي نجّاهم، قال تعلى:"قالوا أوذينا من قبل أن تأتينا ومن بعد ما جئتنا.."فأخذوا يتعنتون على موسى تعنتًا شديدًا، فعندما ذكر الله عز وجل هذا الأمر قال:"وإذ قيل لهم اسكنوا هذه القرية"، فالإنسان حتى يسكن يحتاج إلى بحث عن سكن وإن وجد السكن فلربما لا يعجبه أو لا يعجب زوجته وإذا عجبهما المنزل فيحتاج إلى فترة إلى ترتيب البيت، فالإنسان يتعب حتى يسكن، فالله عز وجل لما أشار إلى تعنّت بني إسرائيل قال"اسكنوا"أي لابد أن تكدوا وتتعبوا وتكنوا بعض الشيء في البحث عن كيفية الدخول ثم بعد ذلك محاولة في السكن فاجتهدوا في ذلك حتى تسكنوا بعد ذلك. ثم قال تعالى:"وكلوا منها حيث شئتم"كأن في إشارة أن تأكل بعد السكن، فهذه نعم من نعم الله عز وجل لأنه أذن لهم بالسكن، ثم أذن لهم بعد ذلك بالأكل فهذه نعمة أيضا، ونلاحظ أن الله سبحانه وتعالى لم يقل رغدا كما في سورة البقرة، ثم قال تعالى:"وقولوا حطة نغفر لكم خطيئاتكم"اعترفوا بذنوبكم واعتذروا قبل أن تدخلوا، فكلمة حطة أي حِط من خطايانا واغفر لنا، وبعد ذلك يدخلوا الباب سجدا. أما معنى خطيئاتكم أي جمع مؤنث سالم لخطيئة، والخطيئات كثيرة وهذا من نعم الله سبحانه وتعالى بأنه سيغفرها لهم ثم قال:"سنزيد المحسنين"أي وسأعطيكم زيادة. فالله عز وجل ذكر هذه النعم ولكن الإنسان عندما عصى الله عز وجل فالله تعالى شدّد عليه. وكذلك الله عز وجل قبل أن يذكر هذه الآيات قال تعالى:"وقطّعناهم اثنتي عشرة أسباطًا أممًا وأوحينا إلى موسى إذ استسقاه قومه…"، وقطّعناهم هم بالفعل قسّموا إلى أمم لكن قطّعناهم كأن فيه إشارة إلى نوع من الحرب والشقاق فأثناء الدعوة لابد وأن تجد الشقاق بين الدعاة، فما هو السبب إلى هذا الشقاق؟ فبين الله عز وجل هذا السبب، إذا ما أردتم السكون فقال:"اسكنوا"فناسب كلمة السكون كلمة وقطّعناهم، الله تبارك وتعالى ذكر أن الحياة الزوجية هي سكن وأن المرأة هي سكن للرجل قال تعالى:"خلقكم من نفس واحدة وجعل منها زوجها ليسكن إليها"، فإذا أردت أن تشعر بنوع من السكون بعد الشقاق الموجود قطعناهم، وإذا أردتم نوع من السكون والارتياح فترجعوا كما كنتم على قلب واحد"قولوا حطة وادخلوا الباب سجدا"عليكم أن تعترفوا وتعتذروا لله عز وجل وتستغفروا لذنوبكم فالله عز وجل بعد ذلك سيجعلكم على طريق واحد. فتناسب قول قطعناهم مع السكون مع تقديم حطة على الدخول. بينما في سورة البقرة يذكر الله عز وجل نعمه السابقة، لأن في هذه السورة يتكلم الله عن أركان الدين وأركان الإيمان كما في نهاية سورة البقرة:"آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله"وأيضًا في بداية السورة:"يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون"فذكر الصلاة وذكر الحج والصيام فهذه أركان الإسلام كما ذكر الله عز وجل الغاية من الخَلْقْ وهي العبادة، فلذلك فأول أمر في كتاب الله عز وجل في سورة البقرة:"يا أيها الناس اعبدوا ربكم"، أي حبوا الله تبارك وتعالى، فذكر الله موضوع محبة الله عز وجل وعبادته. ومن أسباب المحبة أن الإنسان يذكر أخيه بأنه أعطاه، ولم يبخل عنه بشيء، فحتى يرغّب الله تبارك وتعالى الناس بتحقيق هذه المحبة فنعمه عليّ سابقه فيجب علي أن استحي فأشعر بمودة له، فلذلك في سورة البقرة أخذ الله سبحانه وتعالى يذكر نعمه في بني إسرائيل فقال تعالى:"وإذ قلنا ادخلوا هذه القرية"فكان يكفيكم الدخول والأمور ستتهيأ لكم،"فكلوا منها حيث شئتم رغدا"قال تعالى:"رغدا"أي بنعيم وسعة، أي في أي مكان تريدون أن تأكلوا ومن أي شيء تشاءون."وادخلوا الباب سجدا وقولوا حطة"أي بعد الدخول اسجدوا وتوبوا إلى الله فكأن لا يمنع الاعتراف بعد الدخول، فهذا دليل على نعم الله عليهم وكرمه"نغفر لكم خطاياكم"وهنا قال تعالى:"خطاياكم"جمع تكسير، صيغة منتهى الجموع، وهي أكثر من خطيئات، وهذا من نعم الله تبارك وتعالى، وقال: لِمَ؟ قال: لأن الله عز وجل في بداية الآية عزّ الأمر لنفسه:"وإذ قلنا"فهنا عزاه لعظمته لما له من العظمة فذكر كذلك عظمة هذه النعمة، وفي الأعراف قال تعالى:"وإذ قيل"لم يعزه لنفسه، قال تعالى:"وسنزيد المحسنين"أي وزيادة في الأحرف زيادة في المعنى أي زيادة في النعمة، فالنعم كانت تزيد وزيادة عنها في سورة الأعراف"سنزيد المحسنين". ثم قال تعالى:"فبدل الذين ظلموا قولًا غير الذي قيل لهم"وفي سورة الأعراف"فبدل الذين ظلموا منهم"عندما يأتي إنسان ما إلى مجموعة من الناس ويوجه إليهم الكلام فيقول لهم: أيها الناس، يوجد منكم شخص من هذه القبيلة قد فعل كذا وكذا؟ فهنا أصحاب القبيلة يحرجوا، لذلك فـ"منهم"وقعت البلايا أي من بني إسرائيل، وهذا تقريع من الله عز وجل لهم فيما وقعوا فيه من الذنب، ثم قال تعالى في سورة الأعراف:"قولًا غير الذي قيل لهم فأرسلنا عليهم رجزًا من السماء بما كانوا يظلمون"أرسلنا وهو إرسال أي أن يأتي شيء ربما يعم في المجموعة الموجودة، والإرسال عندما تأتي الريح فلا تخص منزلًا دون الأخر أو نافذة دون الأخرى ولكنها تأتي وتعم الموجود، فبني إسرائيل عندما وقعوا ما وقعوا فيه من المعاصي يستحقوا أن يهلكوا بأكملهم. أما في سورة البقرة فقال تعالى:"فبدل الذين ظلموا"فهنا إكرامًا من الله عز وجل لبني إسرائيل فلم يقل منهم، كأن هنا دلالة على أن أشخاص معينة أو واحد من الناس لأن الله عز وجل لم يقل منهم كي لا تحرج بني إسرائيل ثم قال:"قولًا غير الذي قيل لهم فأنزلنا على الذين ظلموا"الله هنا أكرمهم بأنه لم يقل عليهم لأن إذا قال عليهم معناه احتمال كل القرية، كما أن الله لم يقل أرسلنا لأنها ستعم أهل القرية كلهم ولكن قال أنزلنا فلا نفهم أن الكل أصابه الرجز ولكن البعض وهم الذين ظلموا، ثم قال تعالى:"رجزًا من السماء بما كانوا يفسقون"، فذكرهم ظلموا ويفسقون فلِمَ؟ لأنه عزا الله سبحانه وتعالى في بداية السورة بقوله"وإذ قلنا"فعزاه لنفسه، وعندما نسب معصيتهم بأنهم قد عصوا العظيم قال:"فبدل الذين ظلموا"فغيروا بكلامهم فلم يقولوا حطة ولكن قالوا حنطة وفي هذا استهزاء لأوامر الله سبحانه وتعالى، فعندما عصوا الله عز وجل فعزا الله الأمر لنفسه فمن عصى العظيم يستحق أشد العقوبات فلذلك قال تعالى في هذه الآية في سورة البقرة: ظلموا، ظلموا، يفسقون. ولكن في سورة الأعراف لما قال: قيل، لم يعزوه لنفسه ولكن قال ظلموا، يظلمون.

* في سورة آل عمران عندما بشرت الملائكة زكريا بيحي فقال تعالى:"أنّا يكون لي غلام وقد بلغني الكبر وامرأتي عاقر قال كذلك الله يفعل ما يشاء"في نفس السورة بعد آيات قليلة عندما أتت الملائكة وبشرت مريم بعيسى قال تعالى:"قالت رب أنّا يكون لي ولد ولم يمسسني بشر قال كذلك الله يخلق ما يشاء"في الآية السابقة قال زكريا: أنّا يكون لي غلام، وقالت مريم: أنّا يكون لي ولد، كذلك منذ آيات قليلة في حق زكريا:"الله يفعل ما يشاء"ففي حق مريم قال:"الله يخلق ما يشاء".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت