فهرس الكتاب

الصفحة 184 من 363

سعي منهم، فهذا ليس هو لهم، وإنما هو للآباء، أقر اللّه أعينهم بإلحاق ذريتهم بهم في الجنة، وتفضل على الأبناء بشي ء لم يكن لهم، كما تفضل بذلك على الولدان، والحور العين، والخلق الذين ينشئهم للجنة بغير أعمال، والقوم الذين يدخلهم الجنة بلا خير قدموه ولا عمل عملوه، فقوله تعالى: أَلَّا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى «1» وقوله: وأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى «2» آيتان محكمتان يقتضيهما عدل الرب تعالى وحكمته وكماله المقدس، والعقل والفطرة شاهدان بهما، فالأول يقتضي أنه لا يعاقب بجرم غيره، والثانية يقتضي أنه لا يفلح إلا بعمله وسعيه، فالأولى تؤمن العبد من أخذه بجريرة غيره كما يفعله ملوك الدنيا، والثانية تقطع طمعه من نجاته بعمل آبائه وسلفه ومشايخه، كما عليه أصحاب الطمع الكاذب، فتأمل حسن اجتماع هاتين الآيتين.

و نظيره قوله تعالى: مَنِ اهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ، ومَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها، ولا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى وما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا «3» فحكم سبحانه لأعدائه بأربعة أحكام هي غاية العدل والحكمة:

أحدها: إن هدى العباد بالإيمان والعمل الصالح لنفسه لا لغيره.

الثاني: إن ضلاله بفوات ذلك وتخلفه عنه على نفسه لا على غيره.

الثالث: أن أحدا لا يؤاخذ بجريرة غيره «4» .

الرابع: أنه لا يعذب أحدا إلا بعد إقامة الحجة عليه برسله، فتأمل ما في ضمن هذه الأحكام الأربعة من حكمته تعالى وعدله وفضله، والرد على أهل الغرور والأطماع الكاذبة، وعلى أهل الجهل باللّه وأسمائه وصفاته.

قالت طائفة أخرى: المراد بالإنسان هاهنا الحي دون الميت، وهذا أيضا من النمط الأول في الفساد.

(1) سورة النجم، الآية 38.

(2) سورة النجم، الآية 39.

(3) سورة الإسراء، الآية 15.

(4) أي لا يؤاخذ أي إنسان بما فعله غيره، لأن كل إنسان مؤاخذ بما يفعله هو: وكُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ فِي عُنُقِهِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت