بل الخيرة وكل الخيرة في التسليم له والقول به ولو خالفه من بين المشرق والمغرب.
فأما قولكم: نرده بقول مالك في موطئه: لا يصوم أحد عن أحد. فمنازعوكم يقولون: بل نرد قول مالك هذا بقول النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم، فأي الفريقين أحق بالصواب وأحسن ردا.
و أما قوله: وهو أمر مجمع عليه عندنا لا خلاف فيه. فمالك رحمه اللّه لم يحك إجماع الأمة من شرق الأرض وغربها، وإنما حكم قول أهل المدينة فيما بلغه، ولم يبلغه خلاف بينهم، وعدم اطلاعه رحمه اللّه على الخلاف في ذلك لا يكون مسقطا لحديث رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم، بل لو أجمع عليه أهل المدينة كلهم لكان الأخذ بحديث المعصوم أولى من الأخذ بقول أهل المدينة الذين لم تضمن لنا العصمة في قولهم دون الأمة، ولم يجعل اللّه ورسوله أقوالهم حجة يجب الرد عند التنازع إليها، بل قال اللّه تعالى: فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْ ءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ والرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ والْيَوْمِ الْآخِرِ ذلِكَ خَيْرٌ وأَحْسَنُ تَأْوِيلًا «1» .
و إن كان مالك وأهل المدينة قد قالوا: لا يصوم أحد عن أحد، فقد روى الحكم بن عيينة وسلمة بن كهيل عن سعد بن جبير عن ابن عباس أنه أفتى في قضاء رمضان [أن] «2» يطعم عنه وفي النذر يصام عنه.
و هذا مذهب الإمام أحمد وكثير من أهل الحديث وهو قول أبي عبيد، وقال أبو ثور: يصام عنه النذر وغيره، وقال الحسن بن صالح في النذر: يصوم.
و أما قولكم [أن] «3» ابن عباس هو راوي حديث الصوم عن الميت، وقد قال: لا يصوم أحد عن أحد، فغاية هذا أن يكون الصحابي قد أفتى بخلاف ما رواه، وهذا لا يقدح في روايته، فإن روايته معصومة وفتواه غير معصومة، ويجوز أن يكون نسي الحديث أو تأوله أو اعتقد له معارضا راجحا في ظنه أو لغير ذلك من
(1) سورة النساء، الآية 59.
(2) زيدت على المطبوع للسياق.
(3) زيدت على المطبوع للسياق.