فهرس الكتاب

الصفحة 15 من 94

كتاب الطعام

96 / باب التسمية في أوله والحمد في آخره

13- ( 732 ) عَنْ أُمَيَّةَ بْنِ مَخْشِىٍّ - وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - - قَالَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - جَالِسًا وَرَجُلٌ يَأْكُلُ فَلَمْ يُسَمِّ حَتَّى لَمْ يَبْقَ مِنْ طَعَامِهِ إِلاَّ لُقْمَةٌ فَلَمَّا رَفَعَهَا إِلَى فِيهِ قَالَ بِسْمِ اللَّهِ أَوَّلَهُ وَآخِرَهُ فَضَحِكَ النَّبِىُّ - صلى الله عليه وسلم - ثُمَّ قَالَ: « مَا زَالَ الشَّيْطَانُ يَأْكُلُ مَعَهُ فَلَمَّا ذَكَرَ اسْمَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ اسْتَقَاءَ مَا فِى بَطْنِهِ » .". رواه أبو داود والنسائي ."

( ضعيف ) [ فيه: المثنى بن عبد الرحمن الخزاعي،وهو مجهول ] .

وذكره الشيخ الألبانى في الإرواء (7/26) : وقال الحاكم: صحيح الإسناد،ووافقه الذهبي . وليس كما قالا،فإن في إسناده المثنى بن عبد الرحمن،أورده الحافظ الذهبي في الميزان وقال:"لا يعرف،تفرد عنه جابر بن صبح . وقال ابن المدينى: مجهول".

قلت: هو في سنن أبى داود (3770 ) حَدَّثَنَا مُؤَمَّلُ بْنُ الْفَضْلِ الْحَرَّانِىُّ حَدَّثَنَا عِيسَى - يَعْنِى ابْنَ يُونُسَ - حَدَّثَنَا جَابِرُ بْنُ صُبْحٍ حَدَّثَنَا الْمُثَنَّى بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْخُزَاعِىُّ عَنْ عَمِّهِ أُمَيَّةَ بْنِ مَخْشِىٍّ - وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - - قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - جَالِسًا وَرَجُلٌ يَأْكُلُ فَلَمْ يُسَمِّ حَتَّى لَمْ يَبْقَ مِنْ طَعَامِهِ إِلاَّ لُقْمَةٌ فَلَمَّا رَفَعَهَا إِلَى فِيهِ قَالَ بِسْمِ اللَّهِ أَوَّلَهُ وَآخِرَهُ فَضَحِكَ النَّبِىُّ - صلى الله عليه وسلم - ثُمَّ قَالَ « مَا زَالَ الشَّيْطَانُ يَأْكُلُ مَعَهُ فَلَمَّا ذَكَرَ اسْمَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ اسْتَقَاءَ مَا فِى بَطْنِهِ » . قَالَ أَبُو دَاوُدَ جَابِرُ بْنُ صُبْحٍ جَدُّ سُلَيْمَانَ بْنِ حَرْبٍ مِنْ قِبَلِ أُمِّهِ." [1] "

وقال الحاكم:"هذا صحيح الإسناد ولم يخرجاه"،وأقرَّه الذهبي،وهو كما قالا،إسناد رجاله ثقات كلهم،والمثنَّى بن عبد الرحمن ؛ وإن تفرَّد بالرواية عنه جابر بن صبح،فقد وثَّقه ابن حبان [2] ،ورواية النسائي توثيق له،وذكره المنذري بصيغة الجزم ونقل تصحيح الحاكم وسكت عليه [3] ،وقال الضياء المقدسي:"إسناده لا بأس به" [4] ،واحتجَّ به الحافظ ابن حجر في الفتح مرتين،وسكت عليه [5] ،وجزم بصحبة أمية،وليس له إلا هذا الحديث الفرد سائر علماء الحديث [6] ،وهذا تصحيح منهم لحديثه،لأنه لم تثبت وصحبته إلا من خلال هذا السند السابق،وقد ذكره ابن أبى حاتم الجرح والتعديل [7] فلم يذكره بجرح ولا تعديل،وكذا البخاري أيضًا وسكت على حديثه [8] . وذكر الحافظ المزى في تهذيب الكمال قال:"قال أبو الحسن بن البراء: سئل عنه علي بن المديني،فقال: مجهول لم يرو عنه غير جابر بن صبح".

ثم تعقبه بقوله:"وروى سيف بن عمر التميمي عن المثنى بن عبد الرحمن عن ميمون بن مهران عن ابن عباس في ذكر وفاة النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - . فلا أدري هو هذا أو غيره" [9]

ورجَّح الحافظ ابن حجر ثبوت رواية سيف عنه،فقال عنه في التقريب:"مستور من الثالثة" [10] .

وأمَّا قول الحافظ ابن حجر عنه بأنه مستور،فلا يعني بالضرورة أن حديثه ضعيف،وقد فرَّق الحافظ ابن حجر بين المجهول والمستور.

قال الحافظ العراقي رحمه الله:

"اختلفَ العلماءُ في قَبولِ روايةِ المجهولِ،وهو على ثلاثةِ أقسامٍ: مجهولِ العينِ،ومجهولِ الحالِ ظاهرًا وباطنًا،ومجهولِ الحال باطنًا ."

القسمُ الأولُ: مجهولُ العَيْنِ،وهو مَنْ لم يروِ عنه إلا راوٍ واحدٌ . وفيه أقوالٌ:

الصحيحُ الذي عليه أكثرُ العلماءِ من أهلِ الحديثِ،وغيرِهم،أنّهُ لا يقبلُ .

والثاني: يقبلُ مطلقًا.وهذا قولُ مَنْ لم يشترطْ في الراوي مزيدًا على الإسلامِ.

والثالثُ: إن كان المنفردُ بالروايةِ عنه لا يروي إلا عَنْ عَدْلٍ،كابنِ مهديٍّ،ويحيى بنِ سعيدٍ،ومَنْ ذُكرَ معهُما،واكتفينا في التعديلِ بواحدٍ قُبلَ،وإلاّ فلا .

والرابعُ: إنْ كان مشهورًا في غيرِ العلمِ بالزُّهْدِ،أو النَّجْدةِ قُبلَ،وإلاّ فلا . وهو قولُ ابنِ عبدِ البرِّ،وسيأتي نقلهُ عنه .

والخامسُ: إنْ زَكَّاه أحدٌ من أئمةِ الجرحِ والتعديلِ مع روايةِ واحدٍ عنهُ قُبل،وإلاّ فلا . وهو اختيارُ أبي الحسنِ بنِ القطّانِ في كتابِ"بيان الوهمِ والإيهامِ".

قال الخطيبُ في"الكفاية": المجهولُ عند أصحابِ الحديثِ: كُلُّ مَنْ لم يشتهرْ بطلبِ العلمِ في نفسِهِ،ولا عرفَهُ العلماءُ به . ومَنْ لم يُعرفْ حديثُهُ إلاّ من جهةِ راوٍ واحدٍ،مثلُ: عَمْرٍو ذِي مرٍّ،وجَبَّارٍ الطَّائيِّ،وعبدِ اللهِ بنِ أَعَزَّ الهَمْدانيِّ،والهَيْثَمِ بنِ حَنَشٍ،ومالكِ بنِ أَعزَّ،وسعيدِ بنِ ذي حُدَّانَ،وقَيْسِ بنِ كُرْكُمٍ،وخَمْرِ بنِ مالكٍ . قال: وهؤلاءِ كلُّهم لم يَرْوِ عنهم غيرُ أبي إسحاقَ السَّبِيعيِّ . ومثلُ: سَمْعانَ بنِ مُشَنَّجٍ،والهَزْهازِ بنِ مَيْزنٍ،لا يُعرفُ عنهما راوٍ إلاّ الشَّعبيُّ . ومثلُ: بَكْرِ بنِ قِرْواشٍ،وحَلاَّمِ بنِ جَزْلٍ،لم يروِ عنهما إلا أبو الطُّفَيلِ عامرُ بنُ واثلةَ . ومثلُ: يزيدَ بنِ سُحَيْمٍ،لم يروِ عنه إلا خِلاَسُ بنُ عَمْرٍو . ومثلُ: جُرَي بنِ كُلَيبٍ،لم يروِ عنه إلا قتادةُ بن دِعَامةَ . ومثلُ: عُمَيرِ بنِ إسحاقَ،لم يروِ عنه سوى عبدِ اللهِ بنِ عَوْنٍ . وغيرُ من ذَكرنا . وروينا عن محمدِ بنِ يحيى الذُّهْلِيِّ،قال: إذا رَوَى عن المحدِّثِ رجلانِ ارتفعَ عنه اسمُ الجهالةِ .

وقال الخطيبُ: أقلُّ ما تُرفعُ به الجهالةُ أن يرويَ عنه اثنانِ فصاعدًا،من المشهورينَ بالعلمِ،إلا أنّه لا يثبتُ له حكمُ العدالةِ بروايتهِما عنه . واعترضَ عليه ابنُ الصلاحِ بأنَّ الهَزْهازَ رَوَى عنه الثوريُّ أيضًا .

قلت: وروى عنه أيضًا الجرَّاحُ بنُ مَلِيحٍ،فيما ذكرَهُ ابنُ أبي حاتمٍ،وسمَّى أباهُ مازنًا،بالألفِ لا بالياءِ . ولعلَّ بعضَهُم أمالَهُ فكتبَهُ بالياءِ . وخَمْرُ بنُ مالكٍ روى عنه أيضًا عبدُ اللهِ بنُ قَيْسٍ،وذكرَهُ ابنُ حبّانَ في"الثقاتِ"،وسمَّاهُ خُمَيْرَ بنَ مالكٍ،وذكرَ الخلافَ فيه في التَّصْغيرِ والتّكبيرِ ابنُ أبي حاتِمٍ . وكذلِكَ الهَيْثمُ ابنُ حَنَشٍ رَوَى عنه أيضًا سَلَمةُ بنُ كُهَيْل،قالَهُ أبو حاتمٍ الرازيُّ . وأما عبدُ اللهِ بنُ أَعزّ،ومالكُ بن أعزَّ،فقد جعلَهُما ابنُ ماكولا واحدًا،اختُلفَ على أبي إسحاقَ في اسمِهِ . وبَكْرُ بنُ قِرْواشٍ روى عنه أيضًا قتادةُ فيما ذكرَهُ البخاريُّ،وابنُ حبّانَ في"الثقاتِ". وسمَّى ابن أبي حاتم أباهُ قُرَيشًا . وحَلاَّمُ بنُ جَزْلٍ ذكرَهُ البخاريُّ في"تاريخه"فقالَ: حِلاَبٌ،أي: بباء موحّدةٍ،وخطَّأهُ ابنُ أبي حاتمٍ في كتابٍ جمعَ فيهِ أوهامَهُ في"التاريخ"،وقال:"إنّما هو حَلاَّمٌ"،أي: بالميمِ . ثم تعقّبَ ابنُ الصلاحِ بعضَ كلامِ الخطيبِ المتقدّم بأنْ قال: قد خَرَّجَ البخاريُّ حديث جماعةٍ ليس لهم غيرُ راوٍ واحدٍ منهم: مِرْدَاسٌ الأسلميُّ،لم يروِ عنه غيرُ قَيْسٍ بنِ أبي حازمٍ . وخَرَّجَ مسلمٌ حديثَ قومٍ ليس لهم غيرُ راوٍ واحدٍ منهم: ربيعةُ بنُ كعبٍ الأسلميُّ،لم يروِ عنه غيرُ أبي سَلَمةَ بنِ عبدِ الرحمنِ . وذلك منهما مَصِيرٌ إلى أنَّ الراوي قد يَخْرُجُ عن كونِهِ مجهولًا مردودًا،بروايةِ واحدٍ عنه . والخلافُ في ذلك مُتَّجِهٌ،نحوَ اتجاهِ الخلافِ المعروفِ في الاكتفاءِ بواحدٍ في التعديلِ .

قلتُ: لم ينفردْ عن مِرْداسٍ قَيْسٌ،بل روى عنه أيضًا زيادُ بنُ عِلاَقةَ فيما ذكرَهُ المزّيُّ في"التهذيبِ"،وفيه نظرٌ . ولم ينفردْ عن ربيعةَ أبو سَلَمةَ،بل رَوَى عنه أيضًا نُعَيْمٌ المُجْمِرُ وحَنْظلةُ بنُ عليٍّ.وأيضًا فمِرْداسٌ وربيعةُ من مشاهيرِ الصحابةِ،فمِرداسٌ من أهلِ الشَّجَرَةِ،وربيعةُ من أهل الصُّفَّةِ.وقد ذكرَ أبو مسعودٍ إبراهيمُ بنُ محمدٍ الدِّمَشْقيُّ في (( جُزْءٍ له أجابَ فيه عن اعتراضاتِ الدارقطنيِّ على كتابِ مسلمٍ ) )،فقال: لا أعلمُ رَوَى عن أبي عليٍّ عمرِو بنِ مالكٍ الجَنْبيِّ أحدٌ غيرُ أبي هانيءٍ،قال: وبروايةِ أبي هانيءٍ وَحْدَهُ لا يرتفعُ عنه اسمُ الجهالةِ،إلا أنْ يكونَ معروفًا في قبيلتهِ،أو يروي عنه أحدٌ معروفٌ مع أبي هانئٍ،فيرتفعُ عنه اسمُ الجهالةِ . وقد ذكرَ ابنُ الصلاحِ في النوعِ السابعِ والأربعينَ عن ابنِ عبدِ البرِّ،قال: كُلُّ مَنْ لم يروِ عنه إلا رجلٌ واحدٌ،فهو عندَهم مجهولٌ إلا أنْ يكونَ رجلًا مشهورًا في غيرِ حملِ العلمِ كاشتهارِ مالكِ بنِ دينارٍ بالزُّهْدِ،وعَمْرِو بن مَعْديْ كَرِبَ بالنَّجْدةِ . فشهرةُ هذينِ بالصُّحبةِ عند أهلِ الحديثِ آكدُ في الثقةِ به من مالكٍ وعمرٍو،والله أعلمُ .

والقسمُ الثاني: مجهولُ الحالِ في العدالةِ في الظاهرِ والباطنِ،مع كونِهِ معروفَ العَيْنِ بروايةِ عدلينِ عنه . وفيه أقوالٌ:

أحدُها: وهو قولُ الجماهيرِ،كما حكاهُ ابنُ الصلاحِ أنَّ روايتَهُ غيرُ مقبولةٍ.

والثاني: تقبلُ مطلقًا،وإنْ لم تقبلْ روايةُ القسمِ الأولِ . قال ابنُ الصلاحِ: وقد يَقبلُ روايةَ المجهولِ العدالةِ مَنْ لا يَقبلُ روايةَ المجهولِ العينِ .

والثالثُ: إنْ كانَ الراويانِ،أو الرواةُ عنه فيهم مَنْ لا يَروِي عن غيرِ عَدْلٍ قُبِلَ،وإلاَّ فلاَ .

والقسمُ الثالثُ: مجهولُ العدالةِ الباطنةِ،وهو عدلٌ في الظاهرِ،فهذا يحتَجُّ به بعضُ مَنْ رَدَّ القسمَينِ الأولَينِ،وبهِ قطعَ الإمامُ سُلَيمُ بنُ أيوبَ الرازيُّ،قال: لأنَّ الإخبارَ مَبنيٌّ على حُسْنِ الظَّنِّ بالراوي ؛ لأنَّ روايةَ الأخبارِ تكونُ عندَ مَنْ تَتَعذَّرُ عليه معرفةُ العدالةِ في الباطنِ،فاقتُصِرَ فيها على معرفةِ ذلك في الظاهرِ . وتُفَارِقُ الشهادَةَ،فإنَّها تكونُ عند الحُكَّامِ،ولا يتعذّرُ عليهم ذلكَ،فاعتُبِرَ فيها العدالةُ في الظاهرِ والباطنِ.

قالَ ابنُ الصّلاحِ: ويشبهُ أنْ يكونَ العملُ على هذا الرأي في كثيرٍ من كتبِ الحديثِ المشهورةِ في غيرِ واحدٍ من الرُّواةِ الذين تقادَمَ العهدُ بهم،وتعذَّرَتِ الخِبْرةُ الباطنةُ بهم،واللهُ أعلمُ .

وأطلقَ الشافعيُّ كلامَهُ في اختلافِ الحديثِ أنَّهُ لا يحتجُّ بالمجهولِ،وحكى البيهقيُّ في"المدخلِ": أنَّ الشافعيَّ لا يحتجُّ بأحاديثِ المجهولينَ . ولما ذكرَ ابنُ الصلاحِ هذا القسمَ الأخيرَ،قال: وهو المستورُ،فقد قال بعضُ أئمتِنا: المَسْتُورُ مَنْ يكونُ عَدْلًا في الظَّاهرِ،ولا تُعْرَفُ عدالتُهُ باطنًا . انتهى كلامُه . وهذا الذي نَقَلَ كلامَهُ آخرًا،ولم يسمِّهِ،هو البغويُّ،فهذا لفظُهُ بحروفِهِ في"التهذيبِ"،وتَبِعهُ عليه الرافعيُّ. وحكى الرافعيُّ في الصومِ وجهين في قبولِ روايةِ المستورِ من غيرِ ترجيحٍ. وقالَ النوويُّ في"شرحِ المهذّبِ": (( إنَّ الأصحَّ قبولُ روايتِهِ ) ).

وفي كلامِ الرافعيِّ في الصومِ أنَّ العدالةَ الباطنةَ هي التي يُرْجَعُ فيها إلى أقوالِ المُزَكِّينَ . ونقلَ الرُّوْيَانيُّ في"البَحر"عن نصِّ الشافعيِّ في"الأمِّ": أنَّهُ لو حضَرَ العقدَ رجلانِ مسلمانِ،ولا يُعرفُ حالُهما من الفِسْقِ والعَدالةِ انعقدَ النكاحُ بهما في الظاهرِ . قال: لأنَّ الظّاهرَ من المسلمينَ العدالةُ . والله أعلم ." [11] "

قلت: وقد يكون المستور عند الحافظ ابن حجر حسن الحديث،كهذا الحديث الذي احتجَّ به في الحكم وفي إثبات الصحبة،وهو كذلك عند جماعة من الأئمة،بل صحَّحه من لا يفرد الحسن عن الصحيح،ويدرجهما معًا في الصحاح كابن خزيمة،وابن حبان،والضياء المقدسى . وأما أبو عيسى الترمذى،فيحسِّنُه مطلقًا ويصحِّحُه أحيانًا بالنظر إلى ما يحتفُّ بأصل الحديث من قرائن تصحَّحه .

قال الحافظ ابن حجر في نزهة النظر في تعريف الحسن لغيره:"وهو الذي يكون حُسْنُه بسببِ الاعتضاد،نحو حديثُ المستُور إذا تعددت طُرُقُه" [12] .

وقال ابنُ الصلاحِ:"وقد أمعنْتُ النَظَرَ في ذلك،والبحثَ،جامعًا بين أطرافِ كلامِهِم،ملاحظًا مواقعَ استعمالِهِم،فتنقحَ لي واتضَحَ أنَّ الحديثَ الحسنَ قسمانِ:"

أحدُهما: الحديثُ الذي لا يخلو رجالُ إسنادهِ من مستورٍ لم تتحققْ أهليتُهُ،غيرَ أنَّهُ ليس مغفلًا،كثيرَ الخطأ فيما يرويه،ولا هو متهمٌ بالكذبِ في الحديثِ،أي: لم يظهرْ منه تعمُّدُ الكذبِ في الحديثِ،ولا سببٌ آخرُ مفسِّقٌ ويكونُ متنُ الحديثِ مع ذلك قد عُرِفَ،بأنْ رُوِي مثلُهُ أو نحوُهُ من وجهٍ آخرَ،أو أكثر،حتى اعتضدَ بمتابعةِ مَنْ تابعَ راويهِ على مثلِهِ،أو بما لَهُ مِنْ شاهدٍ،وهو ورودُ حديثٍ آخرَ نحوه،فيخرجُ بذلك عن أنْ يكونَ شاذًا،أو منكرًا . وكلامُ الترمذيِّ على هذا القسمِ يتنزلُ . ثم ذكر القسم الثانى [13] .

ولخَّصه النووى بقوله:"الحديث الحسن قسمان أحدهما ما لا يخلُو إسْنَاده من مستور لم تتحقَّق أهليته, وليسَ مُغفَّلا, كثير الخطأ, ولا ظهر منه سبب مُفْسق, ويَكُون متن الحَدِيث معروفًا برواية مثله, أو نحوه من وجهٍ آخر." [14] .

وقال ابن جماعة:"ولو قيل الحسن: كلُّ حديث خالٍ من العلل،وفي سنده المتصل مستور له به شاهد،أو مشهور قاصر عن درجة الإتقان،لكان أجمع لما حددوه،وقريبا مما حاولوه . وأخصر منه: ما اتصل سنده وانتفت علله،وفي سنده مستور،وله شاهد أو متابعٍ" [15] .

وقال السخاوي:"المستور حين يروي يحتمل أن يكون ضبط المروي،ويحتمل أن لا يكون ضبطه،فإذا ورد مثل ما رواه أو معناه من وجهٍ آخر،غلب على الظن أنه ضبط،وكلما كثر المتابع قوي الظنُّ" [16] .

وهذا كله في معنى الحديث الحسن عند الترمذى،كما حدَّه هو بقوله:"وَمَا ذَكَرْنَا فِى هَذَا الْكِتَابِ حَدِيثٌ حَسَنٌ فَإِنَّمَا أَرَدْنَا بِهِ حُسْنَ إِسْنَادِهِ عِنْدَنَا. كُلُّ حَدِيثٍ يُرْوَى لاَ يَكُونُ فِى إِسْنَادِهِ مَنْ يُتَّهَمُ بِالْكَذِبِ وَلاَ يَكُونُ الْحَدِيثُ شَاذًّا وَيُرْوَى مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ نَحْوَ ذَلِكَ فَهُوَ عِنْدَنَا حَدِيثٌ حَسَنٌ." [17] .

ويمكن التمثيل لتصحيح حديث المستور،بما أخرجه الترمذى (3798) قال:

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ أَبِي إِسْحَقَ عَنْ هَانِئِ بْنِ هَانِئٍ عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: جَاءَ عَمَّارٌ يَسْتَأْذِنُ عَلَى النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - ،فَقَالَ:"ائْذَنُوا لَهُ،مَرْحَبًا بِالطَّيِّبِ الْمُطَيَّبِ". قَالَ أبو عيسى:"هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ". [18]

قلت: وهذا الحديث صحيح ثابت من أوجهٍ عن أبي إسحاق السبيعي،وقد صحَّحه الأئمة: الترمذي،وابن حبان،والحاكم،والضياء المقدسي . على أنه في إسناده هانئ بن هانئ الهمدانى،قال عنه الحافظ ابن حجر في التقريب [19] :"مستور من الثالثة". وقد ذكره ابن حبان في الثقات [20] .وقال العجلي في معرفة الثقات [21] :"كوفي تابعي ثقة".

ومن نوافل الإفادة،أن تعلم أن جملة من وصفهم الحافظ ابن حجر في التقريب بقوله"مستور من الثالثة":21 واحد وعشرون راويًا،نذكر منهم عشرة تبصرةً وتذكرةً:

(1) الأخنس بن خليفة الضبي (292 )

(2) عبد الله بن علي بن السائب بن عبيدٍ بن عبد يزيد بن هاشم بن المطلب القرشي (3485) .

(3) عبد الرحمن بن الأخنس الكوفي (3795) .

(3) عبد الرحمن بن كيسان مولى خالد بن أسيد ( 3992) .

(4) عبيد الله بن عبد الرحمن بن رافع الأنصاري العدوي .

(5) المثنى بن عبد الرحمن الخزاعي (6472 ) .

(6) محمد بن عقبة بن أبي مالك القرظي،ابن أخي ثعلبة بن أبي مالك (6142) .

(7) منصور بن سعيد ـ ويقال ابن زيد ـ بن الأصبغ الكلبي المصري ( 6900) .

(8) نافع بن محمود بن الربيع الأنصاري ( 7082 ) .

(9) نافع مولى عامر بن سعد مستور من الثالثة (7087)

(10) هانىء بن هانىء الهمداني الكوفي (7264) .

فقد علمت أن من بينهم: المثنى بن عبد الرحمن الخزاعي.

وقال الذهبي في السير [22] :"عَدِيّ بن عميرَة الكِنْدِيّ خَرَّجَ لَهُ مُسْلِم،مَا رَوَى عَنْهُ غَيْر قيس بن أَبِي حَازِمٍ."

وَخَرجَ مُسْلِم لقطبَة بن مَالِك،وَمَا حَدَّثَ عَنْهُ سِوَى زِيَاد بن عِلاَقَةَ.

وَخَرَجَ مُسْلِم لطَارِق بن أَشيم،وَمَا رَوَى عَنْهُ سِوَى وَلده أَبِي مَالِكٍ الأَشْجَعِيِّ.

وَخَرَّجَ لنبيشَة الخَيْر،وَمَا رَوَى عَنْهُ إِلاَّ أَبُو المَلِيْحِ الهُذَلِيّ.

ذكرنَا هَؤُلاَءِ نقضًا عَلَى مَا ادَعَاهُ الحَاكِم مِنْ أَنَّ الشَيْخين مَا خرجَا إِلاَّ لِمَنْ رَوَى عَنْهُ اثْنَانِ فصَاعِدَا.""

قلت: ومن كان من هذا القبيل،وتعذرت معرفته فالصواب من القول قبول حديثه،وتحسينه،لأن الكذب كان عند هؤلاء نادرا جدّا،والنادر لا حكم له، وهذا ما أكده ابن الصلاح بقوله:"ويشبهُ أنْ يكونَ العملُ على هذا الرأي في كثيرٍ من كتبِ الحديثِ المشهورةِ في غيرِ واحدٍ من الرُّواةِ الذين تقادَمَ العهدُ بهم،وتعذَّرَتِ الخِبْرةُ الباطنةُ بهم،واللهُ أعلمُ" [23] .

(1) - وأخرجه كذلك أحمد (4/336) ، والبخارى التاريخ الكبير (2/6/1514) ، والنسائى السنن الكبرى (4/174) و عمل اليوم والليلة (282) ، وابن السنى (463) ، وابن أبى عاصم الآحاد والمثانى (4/281/2301) ، والطحاوى مشكل الآثار (2/16) ، والطبرانى (1/291/854،855) ، والحاكم في المستدرك (4/108،109) ، والضياء المقدسي الأحاديث المختارة (4/341/1512:1509) ، والمزي تهذيب الكمال (27/208) جميعا من طريق جابر بن صبح عن المثنَّى بن عبد الرحمن عن أمية بن مخشي مرفوعًا به . وانظر طرقه في المسند الجامع - (ج 1 / ص 337) (203)

(2) - الثقات لابن حبان [ ج 5 - ص443 ] (5631)

(3) - الترغيب والترهيب للمنذري (3202 )

(4) - الأحاديث المختارة للضياء - (ج 2 / ص 295) (1510-1512)

(5) - فتح الباري لابن حجر - (ج 10 / ص 79) و (ج 15 / ص 246)

(6) - الإصابة في معرفة الصحابة - (ج 1 / ص 40) وابن حبان في الثقات ثقات ابن حبان - (ج 3 / ص 15) و (ج 5 / ص 443) وابن أبي حاتم أيضًا الجرح والتعديل لابن أبي حاتم - (ج 2 / ص 301) (1111) والمزي تهذيب الكمال للمزي - (ج 3 / ص 340) (561) والكاشف (471) وتهذيب التهذيب - (ج 1 / ص 326) (683) وتقريب التهذيب (559)

(8) - التاريخ الكبير [ ج 7 - ص419 ] ( 1843 )

(9) - تهذيب الكمال (27/208) (5774)

(10) - تقريب التهذيب [ ج 1 - ص519 ] (6472)

(11) - شرح التبصرة والتذكرة - (ج 1 / ص 114)

(12) - نزهة النظر - (ج 1 / ص 78)

(13) - شرح التبصرة والتذكرة - (ج 1 / ص 48) ومقدمة ابن الصلاح - (ج 1 / ص 19) والباعث الحثيث في اختصار علوم الحديث - (ج 1 / ص 4) ونظرات جديدة في علوم الحديث للمليباري - (ج 1 / ص 7) وعلوم الحديث في ضوء تطبيقات المحدثين النقاد - (ج 1 / ص 86)

(14) - كما في تدريب الراوى (1/158) وتدريب الراوي في شرح تقريب النواوي - (ج 1 / ص 103) الشاملة 2

(15) - المنهل الروي (ص36)

(16) - فتح المغيث (1/66)

(17) - سنن الترمذى (4410 ) وتدريب الراوي في شرح تقريب النواوي - (ج 1 / ص 108) وشرح شرح نخبة الفكر في مصطلح أهل الأثر - (ج 1 / ص 307) ونزهة النظر - (ج 1 / ص 81) ونزهة النظر - (ج 1 / ص 81) وتوضيح الأفكار - (ج 1 / ص 245) ومنهج النقد في علوم الحديث - دار الفكر - الرقمية - (ج 1 / ص 268)

(18) - وأخرجه كذلك ابن أبي شيبة (6/385/32243) ، وأحمد في المسند (1/130،125،99) وفضائل الصحابة (1599) ، والبخاري في الأدب المفرد (1031) والتاريخ الكبير (8/229/2821) ، وابن ماجه (146) ، وأبو يعلى (1/324/403) ، وابن حبان (7075) ، والحاكم (3/437) ، وأبو نعيم في الحلية (1/140) ، والخطيب في تاريخ بغداد (1/151) ، والضياء المقدسي في المختارة (2/389/775) من طرق عن الثورى عَنْ أَبِي إِسْحَقَ عَنْ هَانِئِ بْنِ هَانِئٍ عَنْ عَلِيٍّ به، ورواه عن أبى إسحاق بنحو رواية الثورى: الأعمش ، وشعبة ، وإسرائيل ، وشريك ، وزهير ، ولكنه مشهور مستفيض من حديث الثورى .

(22) - سير أعلام النبلاء (12/578) وفي بعض ما قاله الذهبي نظر ، فقد روى عن بعضهم أكثر من واحد .

(23) - مقدمة ابن الصلاح (ج 1 / ص 21) والتقريب والتيسير لمعرفة سنن البشير النذير (ج 1 / ص 7) وتدريب الراوي (ج 1 / ص 248) وشرح شرح نخبة الفكر (ج 1 / ص 519) والشذا الفياح من علوم ابن الصلاح (ج 1 / ص 247) وشرح التبصرة والتذكرة (ج 1 / ص 114) وتوضيح الأفكار (ج 2 / ص 192)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت