47- ( 1569 ) عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِىَّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: « إِيَّاكُمْ وَالْحَسَدَ فَإِنَّ الْحَسَدَ يَأْكُلُ الْحَسَنَاتِ كَمَا تَأْكُلُ النَّارُ الْحَطَبَ » . أَوْ قَالَ « الْعُشْبَ » . رواه أبو داود .
( ضعيف ) [ فيه: جد إبراهيم بن أبي أسيد،وهو مجهول ] .
قلت: هو في سنن أبى داود (4905 ) حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ صَالِحٍ الْبَغْدَادِىُّ حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ - يَعْنِى عَبْدَ الْمَلِكِ بْنَ عَمْرٍو - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلاَلٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ أَبِى أَسِيدٍ عَنْ جَدِّهِ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِىَّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ « إِيَّاكُمْ وَالْحَسَدَ فَإِنَّ الْحَسَدَ يَأْكُلُ الْحَسَنَاتِ كَمَا تَأْكُلُ النَّارُ الْحَطَبَ » . أَوْ قَالَ « الْعُشْبَ » [1] .
محمد بن سليم أبو هلال الراسبي البصري وهو صدوق فيه لين [2]
قلت: وله شواهد وطرق:
فقد روي عن عِيسَى بن أَبي عِيسَى،مَيْسَرَة الحَنَّاط،عن أَبي الزِّنَاد،عَنْ أَنَسٍ،أَنَّ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ:الْحَسَدُ يَأْكُلُ الْحَسَنَاتِ،كَمَا تَأْكُلُ النَّارُ الْحَطَبَ،وَالصَّدَقَةُ تُطْفِئُ الْخَطِيئَةَ،كَمَا يُطْفِئُ الْمَاءُ النَّارَ،وَالصَّلاَةُ نُورُ الْمُؤْمِنِ،وَالصِّيَامُ جُنَّةٌ مِنَ النَّارِ. [3] قلت: وعيسى متروك [4]
وفي الْأَمْوَالُ لِابْنِ زَنْجُوَيْهِ ( 1032) أَنَا حُمَيْدٌ أنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ،حَدَّثَنِي اللَّيْثُ،حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَجْلَانَ،عَنْ وَاقِدِ بْنِ سَلَامَةَ،عَنْ يَزِيدَ،عَنْ أَنَسٍ،عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - أَنَّهُ قَالَ:"الْحَسَدُ يَأْكُلُ الْحَسَنَاتِ كَمَا تَأْكُلُ النَّارُ الْحَطَبَ،وَالصِّيَامُ جُنَّةٌ مِنَ النَّارِ،وَالصَّلَاةُ نُورُ الْمُؤْمِنِ،وَالصَّدَقَةُ تُطْفِئُ الْخَطِيئَةَ كَمَا يُطْفِئُ الْمَاءُ النَّارَ" ( واقد فيه كلام ، ويزيد الرقاشي)
وفي الزُّهْدُ لِهَنَّادِ بْنِ السَّرِيِّ ( 1384 ) حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ،عَنِ الْأَعْمَشِ،عَنْ يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ،عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -:"إِنَّ الْغِلَّ وَالْحَسَدَ يَأْكُلَانِ الْحَسَنَاتِ كَمَا تَأْكُلُ النَّارُ الْحَطَبَ" ( وفيه ضعف)
وفي مسند الشهاب القضاعي (976 ) أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورٍ التُّسْتَرِيُّ،أبنا أَبُو سَهْلٍ،مَحْمُودُ بْنُ عُمَرَ بْنِ جَعْفَرٍ الْعُكْبُرِيُّ،ثنا عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حَفْصَةَ أَبُو حَفْصٍ الْخَطِيبُ،ثنا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاذِ بْنِ الْمُسْتَهِلِّ،بِحَلَبَ،ثَنِي الْقَعْنَبِيُّ،عَنْ مَالِكٍ،عَنْ نَافِعٍ،عَنِ ابْنِ عُمَرَ،قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -:"إِنَّ الْحَسَدَ يَأْكُلُ الْحَسَنَاتِ كَمَا تَأْكُلُ النَّارُ الْحَطَبَ" ( وسنده ساقط )
وفي تاريخ بغداد [5] :أخبرنا الحسن بن أبي بكر قال أنبأنا عبد الله بن إسحاق بن إبراهيم البغوي قال نبأنا محمد بن الحسن بن حريقا البزار قال نبأنا الحسن بن موسى الأشيب قال أنبأنا أبو هلال عن قتادة عن أنس. قال قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:"الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب".
قلت: فبهذه الشواهد يحسن الحديث لغيره . والله أعلم
"الْحَسَدُ إِنْ كَانَ حَقِيقِيًّا،أَيْ بِمَعْنَى تَمَنِّي زَوَال النِّعْمَةِ عَنِ الْغَيْرِ فَهُوَ حَرَامٌ بِإِِجْمَاعِ الأُْمَّةِ،لأَِنَّهُ اعْتِرَاضٌ عَلَى الْحَقِّ،وَمُعَانَدَةٌ لَهُ،وَمُحَاوَلَةٌ لِنَقْضِ مَا فَعَلَهُ،وَإِِزَالَةُ فَضْل اللَّهِ عَمَّنْ أَهَّلَهُ لَهُ،وَالأَْصْل فِي تَحْرِيمِهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالْمَعْقُول ."
أَمَّا الْكِتَابُ: فَقَوْلُهُ تَعَالَى: { وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ } (سورة الفلق / 5) فَقَدْ أَمَرَنَا اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى بِالاِسْتِعَاذَةِ مِنْ شَرِّ الْحَاسِدِ،وَشَرُّهُ كَثِيرٌ،فَمِنْهُ مَا هُوَ غَيْرُ مُكْتَسَبٍ وَهُوَ إِصَابَةُ الْعَيْنِ،وَمِنْهُ مَا هُوَ مُكْتَسَبٌ كَسَعْيِهِ فِي تَعْطِيل الْخَيْرِ عَنْهُ وَتَنْقِيصِهِ عِنْدَ النَّاسِ،وَرُبَّمَا دَعَا عَلَيْهِ أَوْ بَطَشَ بِهِ إِِلَى غَيْرِ ذَلِكَ .
وَقَدِ اخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي الْحَاسِدِ الَّذِي وَرَدَ الأَْمْرُ بِالاِسْتِعَاذَةِ مِنْ شَرِّهِ: فَقَال قَتَادَةَ: الْمُرَادُ شَرُّ عَيْنِهِ وَنَفْسِهِ . وَقَال آخَرُونَ: بَل أُمِرَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - بِهَذِهِ الآْيَةِ أَنْ يَسْتَعِيذَ مِنْ شَرِّ الْيَهُودِ الَّذِينَ حَسَدُوهُ،وَالأَْوْلَى بِالصَّوَابِ فِي ذَلِكَ كَمَا قَال الطَّبَرِيُّ: إِنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - أُمِرَ بِأَنْ يَسْتَعِيذَ مِنْ شَرِّ كُل حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ . وَإِِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ أَوْلَى بِالصَّوَابِ،لأَِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَل لَمْ يَخْصُصْ مِنْ قَوْلِهِ: { وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ } حَاسِدًا دُونَ حَاسِدٍ بَل عَمَّ أَمْرُهُ إِيَّاهُ بِالاِسْتِعَاذَةِ مِنْ شَرِّ كُل حَاسِدٍ فَذَلِكَ عَلَى عُمُومِهِ [7] .
وَالْحَاسِدُ كَمَا قَال الْقُرْطُبِيُّ عَدُوُّ نِعْمَةِ اللَّهِ،قَال بَعْضُ الْحُكَمَاءِ: بَارَزَ الْحَاسِدُ رَبَّهُ مِنْ خَمْسَةِ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: أَنَّهُ أَبْغَضَ كُل نِعْمَةٍ ظَهَرَتْ عَلَى غَيْرِهِ . ثَانِيهَا: أَنَّهُ سَاخِطٌ لِقِسْمَةِ رَبِّهِ كَأَنَّهُ يَقُول: لِمَ قَسَمْتَ هَذِهِ الْقِسْمَةَ ؟
ثَالِثُهَا: أَنَّهُ ضَادَّ فِعْل اللَّهِ،أَيْ إِنَّ فَضْل اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ،وَهُوَ يَبْخَل بِفَضْل اللَّهِ .
وَرَابِعُهَا: أَنَّهُ خَذَل أَوْلِيَاءَ اللَّهِ،أَوْ يُرِيدُ خِذْلاَنَهُمْ وَزَوَال النِّعْمَةِ عَنْهُمْ .
وَخَامِسُهَا: أَنَّهُ أَعَانَ عَدُوَّهُ إِبْلِيسَ [8] .
وَأَمَّا السُّنَّةُ فَقَوْلُهُ - صلى الله عليه وسلم -: إِيَّاكُمْ وَالْحَسَدَ فَإِِنَّ الْحَسَدَ يَأْكُل الْحَسَنَاتِ كَمَا تَأْكُل النَّارُ الْحَطَبَ أَوِ الْعُشْبَ" [9] "
وَأَمَّا الْمَعْقُول فَإِِنَّ الْحَاسِدَ مَذْمُومٌ،فَقَدْ قِيل: إِنَّ الْحَاسِدَ لاَ يَنَال فِي الْمَجَالِسِ إِلاَّ نَدَامَةً،وَلاَ يَنَال عِنْدَ الْمَلاَئِكَةِ إِلاَّ لَعْنَةً وَبَغْضَاءَ،وَلاَ يَنَال فِي الْخَلْوَةِ إِلاَّ جَزَعًا وَغَمًّا،وَلاَ يَنَال فِي الآْخِرَةِ إِلاَّ حُزْنًا وَاحْتِرَاقًا،وَلاَ يَنَال مِنَ اللَّهِ إِلاَّ بُعْدًا وَمَقْتًا [10] .
وَيُسْتَثْنَى مِنْ تَحْرِيمِ الْحَسَدِ مَا إِذَا كَانَتِ النِّعْمَةُ الَّتِي يَتَمَنَّى الْحَاسِدُ زَوَالَهَا عِنْدَ كَافِرٍ أَوْ فَاسِقٍ يَسْتَعِينُ بِهَا عَلَى مَعَاصِي اللَّهِ تَعَالَى [11] .
أَمَّا إِذَا كَانَ الْحَسَدُ مَجَازِيًّا،أَيْ بِمَعْنَى الْغِبْطَةِ فَإِِنَّهُ مَحْمُودٌ فِي الطَّاعَةِ،وَمَذْمُومٌ فِي الْمَعْصِيَةِ،وَمُبَاحٌ فِي الْجَائِزَاتِ،وَمِنْهُ قَوْلُهُ - صلى الله عليه وسلم -: « لاَ حَسَدَ إِلاَّ فِى اثْنَتَيْنِ رَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ مَالًا فَسُلِّطَ عَلَى هَلَكَتِهِ فِى الْحَقِّ،وَرَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ الْحِكْمَةَ،فَهْوَ يَقْضِى بِهَا وَيُعَلِّمُهَا » . [12] أَيْ كَأَنَّهُ قَال: لاَ غِبْطَةَ أَعْظَمُ أَوْ أَفْضَل مِنَ الْغِبْطَةِ فِي هَذَيْنِ الأَْمْرَيْنِ [13] .
ذَكَرَ الْغَزَالِيُّ فِي الإِِْحْيَاءِ أَنَّ الْحَسَدَ مِنَ الأَْمْرَاضِ الْعَظِيمَةِ لِلْقُلُوبِ،وَلاَ تُدَاوَى أَمْرَاضُ الْقُلُوبِ إِلاَّ بِالْعِلْمِ وَالْعَمَل،وَالْعِلْمُ النَّافِعُ لِمَرَضِ الْحَسَدِ هُوَ أَنْ تَعْرِفَ تَحْقِيقًا أَنَّ الْحَسَدَ ضَرَرٌ عَلَى الْحَاسِدِ فِي الدُّنْيَا وَالدِّينِ،وَأَنَّهُ لاَ ضَرَرَ فِيهِ عَلَى الْمَحْسُودِ فِي الدُّنْيَا وَالدِّينِ .
أَمَّا كَوْنُهُ ضَرَرًا عَلَى الْحَاسِدِ فِي الدِّينِ،فَهُوَ أَنَّ الْحَاسِدَ بِالْحَسَدِ سَخِطَ قَضَاءَ اللَّهِ تَعَالَى،وَكَرِهَ نِعْمَتَهُ الَّتِي قَسَمَهَا بَيْنَ عِبَادِهِ،وَعَدْلَهُ الَّذِي أَقَامَهُ فِي مُلْكِهِ بِخَفِيِّ حِكْمَتِهِ،فَاسْتَنْكَرَ ذَلِكَ وَاسْتَبْشَعَهُ وَهَذِهِ جِنَايَةٌ عَلَى حَدَقَةِ التَّوْحِيدِ،وَقَذًى فِي عَيْنِ الإِِْيمَانِ،وَكَفَى بِهِمَا جِنَايَةً عَلَى الدِّينِ .
وَأَمَّا كَوْنُ الْحَسَدِ ضَرَرًا عَلَى الْحَاسِدِ فِي الدُّنْيَا فَهُوَ أَنَّهُ يَتَأَلَّمُ بِحَسَدِهِ فِي الدُّنْيَا،أَوْ يَتَعَذَّبُ بِهِ وَلاَ يَزَال فِي كَمَدٍ وَغَمٍّ،إِذْ أَعْدَاؤُهُ لاَ يُخَلِّيهِمُ اللَّهُ تَعَالَى عَنْ نِعَمٍ يُفِيضُهَا عَلَيْهِمْ،فَلاَ يَزَال يَتَعَذَّبُ بِكُل نِعْمَةٍ يَرَاهَا،وَيَتَأَلَّمُ بِكُل بَلِيَّةٍ تَنْصَرِفُ عَنْهُمْ فَيَبْقَى مَغْمُومًا مَحْرُومًا مُتَشَعِّبَ الْقَلْبِ ضَيِّقَ الصَّدْرِ قَدْ نَزَل بِهِ مَا يَشْتَهِيهِ الأَْعْدَاءُ لَهُ وَيَشْتَهِيهِ لأَِعْدَائِهِ،فَقَدْ كَانَ يُرِيدُ الْمِحْنَةَ لِعَدُوِّهِ فَتَنَجَّزَتْ فِي الْحَال مِحْنَتُهُ وَغَمُّهُ نَقْدًا،وَمَعَ هَذَا فَلاَ تَزُول النِّعْمَةُ عَنِ الْمَحْسُودِ بِحَسَدِهِ .
وَأَمَّا أَنَّهُ لاَ ضَرَرَ عَلَى الْمَحْسُودِ فِي دِينِهِ وَدُنْيَاهُ فَوَاضِحٌ،لأَِنَّ النِّعْمَةَ لاَ تُزَال عَنْهُ بِالْحَسَدِ،بَل مَا قَدَّرَهُ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ إِقْبَالٍ وَنِعْمَةٍ،فَلاَ بُدَّ أَنْ يَدُومَ إِِلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ قَدَّرَهُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ فَلاَ حِيلَةَ فِي دَفْعِهِ،بَل كُل شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ،وَلِكُل أَجَلٍ كِتَابٌ،وَمَهْمَا لَمْ تَزُل النِّعْمَةُ بِالْحَسَدِ لَمْ يَكُنْ عَلَى الْمَحْسُودِ ضَرَرٌ فِي الدُّنْيَا وَلاَ يَكُونُ عَلَيْهِ إِثْمٌ فِي الآْخِرَةِ،وَأَمَّا أَنَّ الْمَحْسُودَ يَنْتَفِعُ بِهِ فِي الدِّينِ وَالدُّنْيَا فَوَاضِحٌ [14] .
الْقَدْرُ الْمَعْفُوُّ عَنْهُ مِنَ الْحَسَدِ وَعَكْسُهُ وَمَا فِيهِ خِلاَفٌ:
ذَكَرَ الْغَزَالِيُّ أَنَّ الْمَرْءَ لاَ يُمْكِنُهُ نَفْيُ الْحَسَدِ عَنْ قَلْبِهِ بِالْكُلِّيَّةِ،بَل يَبْقَى دَائِمًا فِي نِزَاعٍ مَعَ قَلْبِهِ،لأَِنَّهُ لاَ بُدَّ أَنْ يَبْقَى فِيهِ شَيْءٌ مِنَ الْحَسَدِ لأَِعْدَائِهِ،وَذَكَرَ فِي هَذَا الْمَقَامِ أَنَّ لِلشَّخْصِ فِي أَعْدَائِهِ ثَلاَثَةَ أَحْوَالٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ يُحِبَّ مَسَاءَتَهُمْ بِطَبْعِهِ،وَيَكْرَهَ حُبَّهُ لِذَلِكَ وَمَيْل قَلْبِهِ إِلَيْهِ بِعَقْلِهِ،وَيَمْقُتَ نَفْسَهُ عَلَيْهِ،وَيَوَدَّ لَوْ كَانَتْ لَهُ حِيلَةٌ فِي إِزَالَةِ ذَلِكَ الْمَيْل مِنْهُ،وَهَذَا مَعْفُوٌّ عَنْهُ قَطْعًا،لأَِنَّهُ لاَ يَدْخُل تَحْتَ الاِخْتِيَارِ أَكْثَرُ مِنْهُ .
الثَّانِي: أَنْ يُحِبَّ ذَلِكَ وَيُظْهِرَ الْفَرَحَ بِمَسَاءَتِهِ إِمَّا بِلِسَانِهِ أَوْ بِجَوَارِحِهِ فَهَذَا هُوَ الْحَسَدُ الْمَحْظُورُ قَطْعًا
الثَّالِثُ: وَهُوَ بَيْنَ الطَّرَفَيْنِ أَنْ يَحْسُدَ بِالْقَلْبِ مِنْ غَيْرِ مَقْتٍ لِنَفْسِهِ عَلَى حَسَدِهِ،وَمِنْ غَيْرِ إِنْكَارٍ مِنْهُ عَلَى قَلْبِهِ،وَلَكِنْ يَحْفَظُ جَوَارِحَهُ عَنْ طَاعَةِ الْحَسَدِ فِي مُقْتَضَاهُ،وَهَذَا فِي مَحَل الْخِلاَفِ،وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لاَ يَخْلُو عَنْ إِثْمٍ بِقَدْرِ قُوَّةِ ذَلِكَ الْحُبِّ وَضَعْفِهِ [15] .
عِلاَجُ الْمَحْسُودِ مِمَّا لَحِقَ بِهِ مِنْ أَذًى بِسَبَبِ الْحَسَدِ:
الْمَقْصُودُ بِالْعِلاَجِ هُنَا الْعِلاَجُ النَّبَوِيُّ لِتِلْكَ الْعِلَّةِ وَهُوَ أَنْوَاعٌ:
أَحَدُهَا: الإِِْكْثَارُ مِنَ التَّعَوُّذِ،وَمِنْ ذَلِكَ قِرَاءَةُ الْمُعَوِّذَتَيْنِ،وَفَاتِحَةِ الْكِتَابِ،وَآيَةِ الْكُرْسِيِّ،وَالتَّعَوُّذَاتِ النَّبَوِيَّةِ،نَحْوِ أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّاتِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ .
الثَّانِي: الرُّقَى: وَمِنْ أَمْثِلَتِهَا رُقْيَةُ جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَامُ لِلنَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - الَّتِي رَوَاهَا مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَنْ أَبِى سَعِيدٍ أَنَّ جِبْرِيلَ أَتَى النَّبِىَّ - صلى الله عليه وسلم - فَقَالَ يَا مُحَمَّدُ اشْتَكَيْتَ فَقَالَ « نَعَمْ » . قَالَ بِاسْمِ اللَّهِ أَرْقِيكَ مِنْ كُلِّ شَىْءٍ يُؤْذِيكَ مِنْ شَرِّ كُلِّ نَفْسٍ أَوْ عَيْنِ حَاسِدٍ اللَّهُ يَشْفِيكَ بِاسْمِ اللَّهِ أَرْقِيكَ" [16] ."
هَذَا وَمِمَّا يُدْفَعُ بِهِ ضَرَرُ الْحَاسِدِ عَنْ غَيْرِهِ دُعَاؤُهُ لِغَيْرِهِ بِالْبَرَكَةِ وَقَوْلَةُ: مَا شَاءَ اللَّهُ لاَ قُوَّةَ إِلاَّ بِاَللَّهِ . فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرٍ قَالَ انْطَلَقَ عَامِرُ بْنُ رَبِيعَةَ وَسَهْلُ بْنُ حُنَيْفٍ يُرِيدَانِ الْغُسْلَ - قَالَ - فَانْطَلَقَا يَلْتَمِسَانِ الْخَمْرَ - قَالَ - فَوَضَعَ عَامِرٌ جُبَّةً كَانَتْ عَلَيْهِ مِنْ صُوفٍ فَنَظَرْتُ إِلَيْهِ فَأَصَبْتُهُ بِعَيْنِى فَنَزَلَ الْمَاءَ يَغْتَسِلُ - قَالَ - فَسَمِعْتُ لَهُ فِى الْمَاءِ قَرْقَعَةً فَأَتَيْتُهُ فَنَادَيْتُهُ ثَلاَثًا فَلَمْ يُجِبْنِى فَأَتَيْتُ النَّبِىَّ - صلى الله عليه وسلم - فَأَخْبَرْتُهُ - قَالَ - فَجَاءَ يَمْشِى فَخَاضَ الْمَاءَ كَأَنِّى أَنْظُرُ إِلَى بَيَاضِ سَاقَيْهِ - قَالَ - فَضَرَبَ صَدْرَهُ بِيَدِهِ ثُمَّ قَالَ « اللَّهُمَّ أَذْهِبْ عَنْهُ حَرَّهَا وَبَرْدَهَا وَوَصَبَهَا » . قَالَ فَقَامَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - « إِذَا رَأَى أَحَدُكُمْ مِنْ أَخِيهِ أَوْ مِنْ نَفْسِهِ أَوْ مِنْ مَالِهِ مَا يُعْجِبُهُ فَلْيُبَرِّكْهُ فَإِنَّ الْعَيْنَ حَقٌّ » [17] .
وَكَمَا فِي قَوْلِهِ - صلى الله عليه وسلم - مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ: مَنْ رَأَى شَيْئًا فَأَعْجَبَهُ فَقَال: مَا شَاءَ اللَّهُ لاَ قُوَّةَ إِلاَّ بِاَللَّهِ،لَمْ يَضُرَّهُ . [18] ، وَرَوَى هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ كَانَ إِذَا رَأَى شَيْئًا يُعْجِبُهُ،أَوْ دَخَل حَائِطًا مِنْ حِيطَانِهِ قَال: مَا شَاءَ اللَّهُ لاَ قُوَّةَ إِلاَّ بِاَللَّهِ" [19] "
ـــــــــــــــــ
(1) - انظر طرقه في المسند الجامع - (ج 17 / ص 1327) (14228) وفي تخريج أحاديث الإحياء (115 ) أخرجه أبو داود من حديث أبي هريرة ، وقال البخاري: لا يصح . وهو عند ابن ماجه من حديث أنس بإسناد ضعيف ، وفي تاريخ بغداد بإسناد حسن ، والإتحاف 1/294 و 8/55 و تخ 1/272 و تمهيد 6/1244 و ترغيب 3/546 و 548
(2) - تقريب التهذيب [ ج 1 -ص 481 ] (5923 ) ولسان الميزان [ ج 7 -ص 360 ] (4615 )
(3) - المسند الجامع (1007) ومسند البزار (6212 )
(4) - تقريب التهذيب [ ج 1 -ص 440 ] (5317 )
(5) - تاريخ بغداد [ ج 2 -ص 227 ] (677)
(6) - الموسوعة الفقهية الكويتية - (ج 17 / ص 273) وانظر التفاصيل في لقاءات الباب المفتوح - (ج 165 / ص 1) ومجموع فتاوى و مقالات ابن باز - (ج 3 / ص 233) ونور على الدرب - (ج 1 / ص 97) وفتاوى الشبكة الإسلامية معدلة - (ج 2 / ص 331) رقم الفتوى 1641 الأدلة الشرعية التي تنهى عن الحسد وفتاوى الشبكة الإسلامية معدلة - (ج 10 / ص 1172) رقم الفتوى 71353 أضرار الحسد على النفس والآخرين وفتاوى الشبكة الإسلامية معدلة - (ج 10 / ص 3441) رقم الفتوى 73932 خطر الحسد وعلاجه وبريقة محمودية في شرح طريقة محمدية وشريعة نبوية - (ج 3 / ص 347) وغذاء الألباب في شرح منظومة الآداب - (ج 3 / ص 252) ولواقح الأنوار القدسية في بيان العهود المحمدية - (ج 2 / ص 494) وموسوعة خطب المنبر - (ج 1 / ص 358) سلامة الصدور وموسوعة خطب المنبر - (ج 1 / ص 361) الحسد وموسوعة خطب المنبر - (ج 1 / ص 2595) الحسد وموسوعة خطب المنبر - (ج 1 / ص 2826) منهاج الإصلاح النبوي في حديث: (( لا تحاسدوا... ) )وموسوعة خطب المنبر - (ج 1 / ص 3749) صفاء القلوب وموسوعة خطب المنبر - (ج 1 / ص 3816) رسالة إلى حاسد
(7) - تفسير الطبري 30 / 228 ط الثانية - الأميرية وأحكام القرآن للجصاص 3 / 588 ط البهية .
(8) - صحيح مسلم بشرح النووي 6 / 97 ط المصرية ، فيض القدير للمناوي 3 / 125 ط التجارية ، تحفة المريد على جوهرة التوحيد / 126 ط الأزهرية .
(9) - مر تخريجه
(10) - تفسير القرطبي 20 / 260 ط المصرية ، تحفة المريد على جوهر التوحيد / 126 ط الأزهرية .
(11) - فتح الباري 1 / 167 ط الرياض .
(12) - صحيح البخارى (73 )
(13) - فتح الباري 1 / 167 ط الرياض ، صحيح مسلم بشرح النووي 6 / 97 ط المصرية .
(14) - إحياء علوم الدين 3 / 193 - 195 طبعة الحلبي .
(15) - إحياء علوم الدين 3 / 196 ط الحلبي .
(16) - صحيح مسلم (5829 )
(17) - مسند أحمد (16110) وصحيح الجامع (4020) وهـ (3509) صحيح
(18) - مجمع الزوائد ( 8432 ) بَابُ مَا يَقُولُ إِذَا رَأَى مَا يُعْجِبُهُ وسنده واه جدا
(19) - زاد المعاد 3 / 119 ط الحلبي ، وتبيين الحقائق مع حاشية الشلبي 6 / 16 - 17 ط بولاق ، وابن عابدين 5 / 232 - 233 .