63- (1112) وعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: « إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمُ الرَّكْعَتَيْنِ قَبْلَ الصُّبْحِ فَلْيَضْطَجِعْ عَلَى يَمِينِهِ » . رواه أبُو دَاوُدَ وَالتِّرمِذِيُّ بأسانيد صحيحة،قال الترمذي: (حديث حسن صحيح) .
أخرجه: أبو داود ( 1261 ) ،والترمذي ( 420 ) وقال:"حديث حسن صحيح غريب"،وقد أخطأ المصنف حينما قال: بأسانيد صحيحة،ومن قبله الترمذي،وابن خزيمة،وابن حبان،وابن حزم ؛ إذ إنَّ هذا اللفظ معلول أخطأ فيه عبد الواحد بن زياد،وغيره من الثقات جعلوه من فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو المحفوظ،وقد بينت ذلك بإسهاب في تعليقي على مختصر المختصر ( 1120 )
قلت: هو في سنن أبى داود (1263 ) حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ وَأَبُو كَامِلٍ وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ مَيْسَرَةَ قَالُوا حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -:"إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمُ الرَّكْعَتَيْنِ قَبْلَ الصُّبْحِ فَلْيَضْطَجِعْ عَلَى يَمِينِهِ". فَقَالَ لَهُ مَرْوَانُ بْنُ الْحَكَمِ: أَمَا يُجْزِئُ أَحَدَنَا مَمْشَاهُ إِلَى الْمَسْجِدِ حَتَّى يَضْطَجِعَ عَلَى يَمِينِهِ ؟ قَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ فِي حَدِيثِهِ: قَالَ: لَا ، قَالَ: فَبَلَغَ ذَلِكَ ابْنَ عُمَرَ ، فَقَالَ: أَكْثَرَ أَبُو هُرَيْرَةَ عَلَى نَفْسِهِ ، قَالَ: فَقِيلَ لِابْنِ عُمَرَ: هَلْ تُنْكِرُ شَيْئًا مِمَّا يَقُولُ ؟ قَالَ: لَا ، وَلَكِنَّهُ اجْتَرَأَ وَجَبُنَّا ، قَالَ: فَبَلَغَ ذَلِكَ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: فَمَا ذَنْبِي إِنْ كُنْتُ حَفِظْتُ وَنَسَوْا" [1] "
وقال أبو إسحاق الحويني:"قلت: وهذا إسنادٌ ظاهرهُ الصحةُ،ولكن أعلّه البيهقي،ونقل ابن عبد البر في"التمهيد"عن الأثرم قال:"سمعتُ أحمد بن حنبل يُسألُ عن الاضطجاع بعد ركعتي الفجر،فقال: ما أفعلُه أنا. قيل له: لِمَ لم تأخذ به؟ قال: ليس فيه حديث يثبُتُ. قلتُ له: حديث الأعمش،عن أبي صالح،عن أبي هريرة؟ قال: رواه بعضهم مرسلًا". انتهى [2] ."
وقال الذهبي في"الميزان"في ترجمة"عبد الواحد":"احتجا به في"الصحيحين"،وتجنبا تلك المناكير التي نقمت عليه،فيحدث عن الأعمش بصيغة السماع عن أبي صالح عن أبي هريرة مرفوعًا،وذكر هذا الحديث وعزاه إلى أبي داود. [3] "
وهذا التصريح بالتحديث- الذي ذكره الذهبي- لم أقف عليه عند أحدٍ من المخرجين،وقد ذكر العقيليُّ في"الضعفاء"عن أبي داود الطيالسي، وَذُكِرَ عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ فَقَالَ: عَمِدَ إِلَيَّ أَحَادِيثَ كَانَ يُرْسِلُهَا الْأَعْمَشُ فَوَصَلَهَا كُلَّهَا ، يَقُولُ: حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ قَالَ: حَدَّثَنَا مُجَاهِدٌ فِي كَذَا وَكَذَا .. [4]
فهذا يدلُّ على أن عبد الواحد وهم في حديث الأعمش عن مجاهد خاصة،وكان الأعمش إذا روى عن صغار شيوخه مثل مجاهد أكثر من التدليس،بخلاف روايته عن أبي صالح،فإنه من جلَّة شيوخه،ثم هو مكثرٌ عنه.حتى استثناه الذهبي مع غيره ممن يروي عنهم الأعمش،أن يقبل حديثه إذا رواه الأعمش عنه بالعنعنة،كما تراه في ترجمة"الأعمش"من"الميزان"،أما ما رواه العقيلي عن يحيى بن سعيد القطان قال: ما رأيتُ عبد الواحد بن زياد يطلبُ حديثًا قطُّ بالبصرة ولا بالكوفة،وكنا نجلس على بابه يوم الجمعة بعد الصلاة أذاكره حديث الأعمش،لا يعرفُ منه حرفًا" [5] . فهذا مقابلٌ بقول ابن معين وسئل عن أثبت أصحاب الأعمش بعد سفيان وشعبة؟ فقال: أبو معاية الضرير وبعده عبد الواحد بن زياد. وقد احتجَّ به الشيخان في حديث عن الأعمش،ولم يقم دليلٌ على أن أحدًا من أصحاب الأعمش الكبار خالفه في هذا الحديث،فإن وجدنا عملنا بمقتضاه،فلو رواه من هو أثبتُ من عبد الواحد بن زيادٍ عن الأعمش فأرسله كما وقع في كلام أحمد،حكمنا لهذا الثبت عليه،إلاَّ أن يقوم مانعٌ. وقول أحمد: رواه بعضهم مرسلًا،فلا ندري من هذا"البعض"،وهل يقدَّم على عبد الواحد أم لا."
وأما قولُ المنذري في"تهذيب سنن أبي داود":"قيل: إن أبا صالح لم يسمع هذا الحديث من أبي هريرة،فيكون منقطعًا" [6] . وقد سبقه إلى ذلك أبو بكر بن العربي،فقال في"عارضة الأحوذي":"وحديثُ أبي هريرة معلولٌ،لم يسمعه أبو صالح من أبي هريرة،وبين الأعمش وأبي صالحٍ كلام". [7]
فأما القول بأن أبا صالح لم يسمعه من أبي هريرة فلم أقف على قائله من أئمة الحديث الكبار،ولا على دليله. وابنُ العربي رحمه الله،فليس من أحلاس هذا العلم،وله أوهامٌ في تواليفه في التصحيح والتضعيف،والكلام على علل الحديث.
وقد صحَّحه الترمذي وابنُ حزمٍ في"المحلى" [8] لكنه اشتطَّ في الاستدلال به على فرضية الضجعة بعد ركعتي الفجر. وصحَّحه أيضًا من المتأخرين النووي في"شرح مسلم" [9] ،وفي"المجموع"على شرط الشيخين. [10]
وقال في"رياض الصالحين" [11] ،وفي"الخلاصة":"رواه أبو داود والترمذي بأسانيد صحيحة" [12] كذا قال! وهي عبارة يكثر منها النووي ولا معنى لها،وليس للحديث عندهما إلا هذا الإسنادُ الواحدُ. وصححه أيضًا الشيخ المحقق أبو الأشبال أحمد شاكر وشيخنا الألباني في"صحيح الجامع" [13] . وقد أعلَّه البيهقي بما رواه عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ قَالَ حَدَّثَنِى مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِى صَالِحٍ السَّمَّانُ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يُحَدِّثُ مَرْوَانَ بْنَ الْحَكَمِ وَهُوَ عَلَى الْمَدِينَةِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - كَانَ يَفْصِلُ بَيْنَ رَكْعَتَيْهِ مِنَ الْفَجْرِ وَبَيْنَ الصُّبْحِ بِضَجْعَةٍ عَلَى شِقِّهِ الأَيْمَنِ. {ق} قَالَ الشَّيْخُ وَهَذَا أَوْلَى أَنْ يَكُونَ مَحْفُوظًا لِمُوَافَقَتِهِ سَائِرَ الرِّوَايَاتِ عَنْ عَائِشَةَ وَابْنِ عَبَّاسٍ اهـ. [14]
والأعمش أثبت منهما في أبي صالح. فإن قلت: نعم،ولكن الشأن في الراوي عنه وهو ابن زيادٍ. قلنا: نعم،وقد قدمنا لك أنه أحدُ الأثبات في الأعمش كما قال ابن معين. فالصوابُ الحكمُ له حتى يظهر لنا أنه قد خالفه من هو أمكنُ منه. فالراجح عندي: صحةُ الحديث بالشرط المذكور. والله أعلم" [15] ."
قلتُ: الصوابُ صحةُ الحديث الموصول .
"قَالَ الْقَاضِي عِيَاض: فِي هَذَا الْحَدِيث أَنَّ الِاضْطِجَاع بَعْد صَلَاة اللَّيْل وَقَبْل رَكْعَتَيْ الْفَجْر،وَفِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى عَنْ عَائِشَة ( أَنَّهُ - صلى الله عليه وسلم - كَانَ يَضْطَجِع بَعْد رَكْعَتَيْ الْفَجْر ) وَفِي حَدِيث اِبْن عَبَّاس ( أَنَّ الِاضْطِجَاع كَانَ بَعْد صَلَاة اللَّيْل قَبْل رَكْعَتَيْ الْفَجْر ) . قَالَ: وَهَذَا فِيهِ رَدّ عَلَى الشَّافِعِيّ وَأَصْحَابه فِي قَوْلهمْ: إِنَّ الِاضْطِجَاع بَعْد رَكْعَتَيْ الْفَجْر سُنَّة . قَالَ: وَذَهَبَ مَالِك وَجُمْهُور الْعُلَمَاء وَجَمَاعَة مِنْ الصَّحَابَة إِلَى أَنَّهُ بِدْعَة،وَأَشَارَ إِلَى أَنَّ رِوَايَة الِاضْطِجَاع بَعْد رَكْعَتَيْ الْفَجْر مَرْجُوحَة . قَالَ: فَتُقَدَّم رِوَايَة الِاضْطِجَاع قَبْلهمَا . قَالَ: وَلَمْ يَقُلْ أَحَد فِي الِاضْطِجَاع قَبْلهمَا أَنَّهُ سُنَّة فَكَذَا بَعْدهَا . قَالَ: وَقَدْ ذَكَرَ مُسْلِم عَنْ عَائِشَة: ( فَإِنْ كُنْت مُسْتَيْقِظَة حَدَّثَنِي وَإِلَّا اِضْطَجَعَ ) فَهَذَا يَدُلّ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِسُنَّةٍ،وَأَنَّهُ تَارَة كَانَ يَضْطَجِع قَبْلُ وَتَارَة بَعْدُ وَتَارَة لَا يَضْطَجِع،هَذَا كَلَام الْقَاضِي،وَالصَّحِيح أَوِالصَّوَاب: أَنَّ الِاضْطِجَاع بَعْدَ سُنَّة الْفَجْر لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَة قَالَ: قَالَ رَسُول اللَّه - صلى الله عليه وسلم -: ( إِذَا صَلَّى أَحَدكُمْ رَكْعَتَيْ الْفَجْر فَلْيَضْطَجِعْ عَلَى يَمِينه ) . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيّ بِإِسْنَادٍ صَحِيح عَلَى شَرْط الْبُخَارِيّ وَمُسْلِم . قَالَ التِّرْمِذِيّ: هُوَ حَدِيث حَسَن صَحِيح . فَهَذَا حَدِيث صَحِيح صَرِيح فِي الْأَمْر بِالِاضْطِجَاعِ . وَأَمَّا حَدِيث عَائِشَة بِالِاضْطِجَاعِ بَعْدهَا وَقَبْلهَا وَحَدِيث اِبْن عَبَّاس قَبْلهَا فَلَا يُخَالِف هَذَا ؛ فَإِنَّهُ لَا يَلْزَم مِنَ الِاضْطِجَاع قَبْلهَا أَلَّا يَضْطَجِع بَعْد،وَلَعَلَّهُ - صلى الله عليه وسلم - تَرَكَ الِاضْطِجَاع بَعْدهَا فِي بَعْض الْأَوْقَات بَيَانًا لِلْجَوَازِ لَوْ ثَبَتَ التَّرْك وَلَمْ يَثْبُت،فَلَعَلَّهُ كَانَ يَضْطَجِع قَبْلُ وَبَعْدُ،وَإِذَا صَحَّ الْحَدِيث فِي الْأَمْر بِالِاضْطِجَاعِ بَعْدهَا مَعَ رِوَايَات الْفِعْل الْمُوَافَقَة لِلْأَمْرِ بِهِ تَعَيَّنَ الْمَصِير إِلَيْهِ،وَإِذَا أَمْكَنَ الْجَمْع بَيْن الْأَحَادِيث لَمْ يَجُزْ رَدّ بَعْضهَا،وَقَدْ أَمْكَنَ بِطَرِيقَيْنِ أَشَرْنَا إِلَيْهِمَا . أَحَدهمَا: أَنَّهُ اِضْطَجَعَ قَبْلُ وَبَعْدُ . وَالثَّانِي: أَنَّهُ تَرَكَهُ بَعْد فِي بَعْض الْأَوْقَات لِبَيَانِ الْجَوَاز . وَاللَّهُ أَعْلَم ."
وقال ابن القيم رحمه الله:"وَفِي اضْطِجَاعِهِ عَلَى شِقّهِ الْأَيْمَنِ سِرّ وَهُوَ أَنّ الْقَلْبَ مُعَلّقٌ فِي الْجَانِبِ الْأَيْسَرِ فَإِذَا نَامَ الرّجُلُ عَلَى الْجَنْبِ الْأَيْسَرِ اسْتَثْقَلَ نَوْمًا لِأَنّهُ يَكُونُ فِي دَعَةٍ وَاسْتِرَاحَةٍ فَيَثْقُلُ نَوْمُهُ فَإِذَا نَامَ عَلَى شِقّهِ الْأَيْمَنِ فَإِنّهُ يَقْلَقُ وَلَا يَسْتَغْرِقُ فِي النّوْمِ لِقَلَقِ الْقَلْبِ وَطَلَبِهِ مُسْتَقَرّهُ وَمَيْلِهِ إلَيْهِ،وَلِهَذَا اسْتَحَبّ الْأَطِبّاءُ النّوْمَ عَلَى الْجَانِبِ الْأَيْسَرِ لِكَمَالِ الرّاحَةِ وَطِيبِ الْمَنَامِ وَصَاحِبِ الشّرْعِ يَسْتَحِبّ النّوْمَ عَلَى الْجَانِبِ الْأَيْمَنِ لِئَلّا يَثْقُلَ نَوْمُهُ فَيَنَامُ عَنْ قِيَامِ اللّيْلِ،فَالنّوْمُ عَلَى الْجَانِبِ الْأَيْمَنِ أَنْفَعُ لِلْقَلْبِ وَعَلَى الْجَانِبِ الْأَيْسَرِ أَنْفَعُ لِلْبَدَنِ وَاَللّهُ أَعْلَمُ" [17] .
ـــــــــــــــــ
(1) - انظر ألفاظه وطرقه في في المسند الجامع - (ج 16 / ص 1554) (13159) وصحيح ابن حبان (2512) وصحيح ابن خزيمة (1057) وشرح السنة للبغوي - (ج 2 / ص 146) 887 وعمدة القاري شرح صحيح البخاري - (ج 6 / ص 176) وتعليق شعيب الأرنؤوط: إسناده صحيح على شرط الشيخين
اجترأ وجَبنّا: الاجتراء الإقدام على الشيء من غير خوف ولا فزع ، والجبن خلافه.
(2) - التمهيد" (8-126) "
(3) -"الميزان" (2-672)
(4) -"الضعفاء" (3-55)
(5) - ضعفاء العقيلي [ ج 3 -ص 55 ] (1015)
(6) - تهذيب سنن أبي داود" (2-76) "
(7) - عارضة الأحوذي" (2-217) "
(8) -"المحلى" (3-196)
(9) - شرح مسلم" (6-19) "
(10) - المجموع" (4-28) "
(11) - (ص343)
(12) - الخلاصة" (1-536) "
(13) 1-171) وفي تعليقه على سنن أبي داود
(14) - السنن الكبرى للبيهقي (ج 3 / ص 45) (5085)
(15) - الفتاوى الحديثية للحويني - (ج 2 / ص 26)
(16) - شرح النووي على مسلم - (ج 3 / ص 71) وقارن بعمدة القاري شرح صحيح البخاري - (ج 8 / ص 467)
(17) - زاد المعاد - (ج 1 / ص 308)