ولحديثه شواهد،منها ما أخرجه الترمذى (1858) قال: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَبَانَ حَدَّثَنَا وَكِيعٌ حَدَّثَنَا هِشَامٌ الدَّسْتُوَائِيُّ عَنْ بُدَيْلِ بْنِ مَيْسَرَةَ الْعُقَيْلِيِّ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ عَنْ أُمِّ كُلْثُومٍ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -:"إِذَا أَكَلَ أَحَدُكُمْ طَعَامًا،فَلْيَقُلْ: بِسْمِ اللهِ،فَإِنْ نَسِيَ فِي أَوَّلِهِ فَلْيَقُلْ: بِسْمِ اللهِ فِي أَوَّلِهِ وَآخِرِهِ". وَبِهَذَا الإِسْنَادِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - يَأْكُلُ طَعَامًا فِي سِتَّةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ،فَجَاءَ أَعْرَابِيٌّ فَأَكَلَهُ بِلُقْمَتَيْنِ،فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -:"أَمَا إِنَّهُ لَوْ سَمَّى لَكَفَاكُمْ". [1]
قَالَ أَبو عِيسَى:"هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ،وَأُمُّ كُلْثُومٍ هِيَ بِنْتُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ الصديق".
قلت: لم يرد في روايةٍ من روايات الحديث ذكر نسبها هكذا كما توهمه الترمذى،بل وردت عنده من رواية وكيع غير منسوبة"عن أم كلثوم عن عائشة"،وأما رواية الجماعة: إسماعيل بن علية ومعاذ بن هشام وروح بن عبادة وعبد الوهاب بن عطاء والطيالسى،فهكذا"عن عبد الله بن عبيد بن عمير الليثي عن امرأة منهم يقال لها أم كلثوم"فتعين كونها ليثية أو مكية،وليس كما توهمها أبو عيسى . وتظهر أهمية تعيينها في توثيق إسناد الحديث،ومعرفة رتبته،إذ هى إحدى رواته .
وإسناد الحديث رجاله كلهم ثقات،خلا أم كلثوم الليثية أو المكية وقد وثقت،وإن تفرد عنها عبد الله بن عبيد بن عمير الليثى .
وقال الحافظ الذهبي في الميزان:"فصل في النسوة المجهولات . قال: وما علمت في النساء من اتهمت،ولا من تركوها" [2] ،وذكر منهن أم كلثوم الليثية،فقال:"أم كلثوم عن عائشة . تفرد عنها عبد الله بن عبيد بن عمير في التسمية على الأكل" [3] .
ولا يختلف حال أم كلثوم الليثية عن مثيلاتها من النساء المجهولات اللاتى ذكرهن ابن حجر في التقريب وقال عنهن:"مقبولة من الثالثة"؛ يعني الطبقة الوسطى من التابعيات،أمثال:
(1) مرجانة أم علقمة،تفرد عنها ابنها علقمة،واحتج بها مالك في الموطأ .
(3،2) دحيبة وصفية بنتا عليبة بن حرملة العنبريتان،تفرد عنهما عبد الله بن حسان العنبرى
(4) دقرة ـ بكسر الدال و سكون القاف ـ بنت غالب الراسبية البصرية ؛ أم عبد الرحمن بن أذينة قاضى البصرة،تفرد عنها محمد بن سيرين .
(5) سائبة ؛ مولاة الفاكه بن المغيرة المخزومى،تفرد عنها نافع مولى ابن عمر.
(6) عديسة بنت أهبان بن صيفى،تفرد عنها عبد اللّه بن عبيد الحميرى المؤذن .
فى عشرات أمثالهن ؛ ممن وثقن،واحتجَّ بأحاديثهن أكابر الأئمة: كمالك،وأبو داود،والترمذى،وابن خزيمة،وابن حبان،والحاكم،والضياء المقدسي،ومن لا يُحصى كثرة من الحفاظ المتأخرين عن هؤلاء،وفي مقدمتهم النووي،والذهبي .
وله شاهد آخر أخرجه ابن حبان في صحيحه (5213) أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْمُثَنَّى،قَالَ: حَدَّثَنَا خَلِيفَةُ بْنُ خَيَّاطٍ،قَالَ: حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ عَلِيٍّ الْمُقَدَّمِيُّ قَالَ: سَمِعْتُ مُوسَى الْجُهَنِيَّ،يَقُولُ: أَخْبَرَنِي الْقَاسِمُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ،عَنْ أَبِيهِ،عَنْ جَدِّهِ،قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: مَنْ نَسِيَ أَنْ يَذْكُرَ اللَّهَ فِي أَوَّلِ طَعَامِهِ فَلْيَقُلْ حِينَ يَذْكُرُ: بِسْمِ اللهِ فِي أَوَّلِهِ وَآخِرِهِ،فَإِنَّهُ يَسْتَقْبِلُ طَعَامَهُ جَدِيدًا،وَيَمْنَعُ الْخَبِيثَ مَا كَانَ يُصِيبُ مِنْه. [4]
قلت: هذا إسناد متصل رجاله ثقات كلهم،وموسى الجهنى هو ابن عبد الله أبو سلمة الكوفي ثقة حجة من متقني الكوفيين [5] .
وأما ذكر قيء الشيطان في غير هذا الحديث،فلا أعلمه يروى إلا بإسناد لا تنتهض الحجة بمثله [6] .
والخلاصة أن حديثه حسن وصححه عدة،والله أعلم.
ـــــــــــــــــ
(1) - وأخرجه كذلك الطيالسى (1566) ، وأحمد (6/265،207) ، وإسحاق بن راهويه (1289،1288) ، والدارمى (2021) ، وأبو داود (3767) ، والنسائى (( اليوم والليلة ) ) (281) و (( الكبرى ) ) (6/78/10112) ، والطبرانى (( مسند الشاميين ) ) (407) ، والحاكم (4/121) ، والبيهقى (( الكبرى ) ) (7/276) و (( شعب الإيمان ) ) (5/75/5832) ، والمزى (( تهذيب الكمال ) ) (35/382) من طرق عن هِشَامٌ الدَّسْتُوَائِيُّ عَنْ بُدَيْلِ بْنِ مَيْسَرَةَ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ عَنْ امرأةٍ منهم يُقَالَ لَهَا أُمُّ كُلْثُومٍ عَنْ عَائِشَةَ بنحوه ،هكذا رواه: إسماعيل بن علية ، ومعاذ بن هشام ، وعفان ، وروح بن عبادة ، ووكيع ، وأبو داود الطيالسى ، وعبد الوهاب بن عطاء ، وبرد بن سنان ثمانيتهم عن الدستوائى بذكر (( أم كلثوم ) )فى إسناده ، ومنهم من لا يذكر قصة الأعرابى ، وقوله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم"أَمَا إِنَّهُ لَوْ سَمَّى لَكَفَاكُمْ".
(2) - ميزان الاعتدال - (ج 4 / ص 604) وتدريب الراوي (ج 1 / ص 251) وتحرير علوم الحديث لعبدالله الجديع - (ج 1 / ص 322)
(3) - ميزان الاعتدال - (ج 4 / ص 613) (11030)
(4) - وأخرجه كذلك الطبراني في الكبير (10/170/10354) والأوسط (5/25/4576) من طريق خليفة بن خياط بإسناده ومتنه سواء .
(5) - الجرح والتعديل (8/149/676) وذكره ابن حبان في الثقات (10867) ، والعجلى في معرفة الثقات (1825) وقد أخرج له مسلم في صحيحه ثلاثة أحاديث برقم (3447 و7023 و7027 ) والكاشف (5711) وتهذيب التهذيب [ج 10 -ص 316] (632 )
(6) - أخرجه ابن عدي الكامل (1/307)