وهناك أمر ينبغي التنبيه عليه وهو أن القول بسنية واستحباب قراءة القرآن بالترتيل وتعمله ليس انتقاصًا من القرآن الكريم وحفظه وحقه علينا، فإن مَن عنده الرغبة والهمة في تعلمه وترتيله تزداد عندما يعلم بأن قراءته - صلى الله عليه وسلم - كانت هكذا، وترغيبه في ذلك، ووعده بالأجر العظيم لمن يتقن قراءة القرآن ويعطيه حقه من تمام المد والإدغام والإخفاء وغيرها وجعله مع السفرة الكرام البررة، ولا شك أنها منزلة عالية يرغب فيها كل من علمها، وكذلك وعده - صلى الله عليه وسلم - للمسلم بالارتقاء والصعود في الجنة بقراءته المتقنة المجودة وحفظه.
كما أن في القول بالوجوب والفرضية تأثيم للمسلمين من حيث يعلمون أو لا يعلمون؛ إذ المسلم لا يعذر في دار الإسلام بمعرفة أحكام الشريعة، ومن علم أنه واجب وقصَّر في التعلم لحقه الوزر؛ لأنه لم يقم بأوامر الله تعالى، وإن كان هذا العلم مخالفًا للواقع من الاستحباب والسنية.
وكم هم الذي يتقنون قراءة القرآن ويراعون أحكام ترتيله، إنهم فئة ضئيلة جدًا، والباقون يقرؤون القرآن بلا إجادة لتجويده، فحالهم على هذا القول الإثم والوزر العظيم؛ لعدم قيامهم بما وجب عليهم.
فانظر رحمني ورحمك الله كم في هذا الحكم من تحميل للمسلمين ما لا يطيقون وتأثيمهم من حيث يشعرون ولا يشعرون، وكم في الحكم بالاستحباب والسنية من رفع الحرج عن المسلمين { لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا } (1) ، وإبعاد الوزر عنهم، ورفع للهمم وترغيب للمسلمين بالإقبال على تعلم كتاب الله تعالى وإتقانه.
القرآن الكريم.
الإبهاج في شرح المنهاج لعلي السبكي (756هـ) وولده تاج الدين (ت771هـ) . دار الكتب العلمية. بيروت.
إحكام الفصول في أحكام الأصول لأبي الوليد الباجي.ت:د. عبد الله الجبوري. مؤسسة الرسالة. ط1. 1989م.
أحكام القرآن لأحمد بن علي الرازي الجصاص (ت370هـ) . دار الفكر.
(1) البقرة: 286.