الصفحة 18 من 237

ثم ضرب قبَّته على قبْرِ معاوية بن هشام، فجاءه أولاده، فربطوا ثيابه بثيابهم، حتى دخلوا به على جدِّهم عبد الملك، فاستعطفوه وألانوا قلبه فعفا عنْه، فقال [1] :

الآنَ صِرْتُ إلى أُميَّةَ ... والأمورُ لهما مَصَائِرْ

أهْلُ التجاوُبِ في المحا ... فِلِ والمقاوِلِ بالمخاصِرْ

أَنْتُمْ معادِنٌ للخِلا ... فَةِ كابِرًا مِنْ بَعْدِ كابِرْ

وجعل هشام يغمز مسلمة بقضيبٍ في يدهِ. فيقول: (( اسمع اسمع ) )، ثم استأذنه في مرثيةِ أبيهِ معاوية فأذِنَ له فأنشدهُ قولهُ [2] :

سأَبْكيكَ للدُّنيا وللدّينِ إنّني ... رأيتُ يَدَ المعروفِ بَعْدَكِ شُلَّتِ

فدامتَ عليكَ بالسلامِ تحيةً ... ملائِكةُ الله الكِرام وصَلَّتِ

فبكى هشام بكاءً شديدًا فوثب الحاجب فأسكته. ثمّ جاء الكميت إلى منزله وأمر له مسلمة بعشرين ألف درهم، وأمر له هشام بأربعين ألف درهم وكتب إلى خالد بأمانةٍ وأمان أهل بيته، وأنَّه لا سلطان له عليهم. وعاد الكميت بعد هذا إلى الكوفة وقد ردت إليه حريته، فعاد إلى نضاله مع إمامِهِ زيد بن عليّ. وكانت موضوعات شعره تدور على مدح الإمام عليٍّ - عليه السلام- والائمة من ولده من آل بيتِ النبي - صلى الله عليه وسلم - وكانت تبرز صفات الإمام عليّ المُثلى وبلاءه في الإسلام، وتذكر يوم غدير خُمّ [3] ، وحديث المباهلة، والمهدي المنتظر، ووقعة كربلاء واستشهاد الحسين - عليه السلام - وآل البيت، وهجاء القحطانية [4] .

وقد قُتِلَ الكميت على يد جُند يوسف بن عمر الثقفي تعصبًا لِخالد بن عبد الله القسْري وهم يمانيّة، وذلك إثر قولهِ مادِحًا يوسف [5] :

خرجتَ لهُمْ تَمْشيَ البَراح ولمْ تكُنْ ... كمن حِصْنُهُ فيه الرِتاجُ المُضبَّبُ

وما خالدٌ يستطعمُ الماءُ فاغرًا ... بِعَدْلِكَ والدّاعي إلى الموتِ ينْعَبُ

وكان الجند قيامًا على رأس يوسف بن عمر وهم يمانية، فتعصبوا لخالد، فوضعوا ذباب سيوفهم في بطن الكميت، فوجأوه بها وقالوا أتنشد الأمير ولم تستأمره، فلم يزل ينزف الدم حتى مات [6] .

(1) الأغاني 15/ 116.

(2) الأغاني 15/ 116.

(3) هو ماء وقف فيه النبي - صلى الله عليه وسلم - وخطب خطبته المشهورة في حجة الوداع التي قال فيها: (مَن كنت مولاه فهذا عليّ مولاه ... ) .

(4) التيار الإسلامي في شعر العصر العباسي الأول: د. مجاهد مصطفى بهجت 337،338.

(5) الأغاني 15/ 121.

(6) الأدب العربي وتأريخه في عصري صدر الإسلام والدولة الأموية: محمود مصطفى 1/ 330.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت