ودفن في مواضع يقالُ لهُ (مَكْرَان) وكان أول من دُفن فيه، وهي مقبَرةُ بني أسدٍ.
مكانة الكميت وقيمة شعرهِ:
بعد الحديث عن حياة الكميت بإيجاز، لابد من الكلام على مكانته وقيمه شعره. فالكميت عاش في حقبةٍ زمنية مهمةٍ من تأريخ العربية في عصر الاستشهاد.
ويعدُّ شعرهُ من الوثائق المهمّة في التأريخ. وأشهر شعره قصائدهُ التي عرفتْ باسم (الهاشميات) ، وقد فسرها أبو رياش أحمد بن إبراهيم القيسي المتوفى سنة 339 للهجرة.
وهناك عدا الهاشميات عنده المفاخر القبلية بين العدنانية والقحطانية ويعد شعرهُ مرحلةً من مَراحلِ الحضارة العربية الإسلامية، ومراحل تأريخ العربية أيضًا. ويعدُّ كذلك وثيقة لغويةً؛ نظرًا لاستعماله غريب الألفاظ وفصيحها، ومنها الألفاظ الإسلامية، التي تحمل دلالات جديدة جاء بها الإسلام، واستعملها الكميت في إظهار حُبه للنبي - صلى الله عليه وسلم - ولأهل بيته وتحزّ به لهمْ، وعدائه لأعدائهم.
وتعد هاشمياتهُ طرازًا جديدًا في الشعر العربي. فهي تعبير عن العقل، والفكر أكثر من أنّها تعبير عن الشعور. فالشاعر همَّهُ الجدل، والحجاج، والإقناع، والمنافحة عن الفكرة التي آمن بها، ورُسخِت في أعماقه. وهو متأثرٌ بهذا الجدل وهذه المناظرة بإمامه زيد بن عليّ. فثقافة الشاعر الممتازة دفعَتْهُ إلى هذا الاتجاه.
ونرى الكميت في أشعاره يذهب إلى غرضه وموضوعه مباشرةً، من غير الاعتضاد بأساليب الشعراء التقليدية، كالوقوف على الأطلال والبُكاءِ على الدِّيار، وتذكُّر الأحبةِ ونحوها من الموضوعات التقليدية. فلم تُلههِ الديار ولم يشغله النسيبُ، بل كانت هاشمياتهُ خاصة ثورةً على ما لم يرَهُ حقًا من الأمور والأحداث، وقد كرّرها مِرارًا كأنَّه في هذا التكرار يؤكِدُ عزْمَهُ على تأكيد ما فيها من عزْمٍ وقِيِمٍ.
ومن خصائص شعره [1] ، إيراد الغريب من الألفاظ، من غير استعمال للخَوشيّ، فضلًا عن استقصائه المعاني، وطول النفس. وتمتاز أشعاره بِصدْقِ العاطفة وعمق الفِكْرِ، وبُعْدِ النظر. فقد أبدع في تصوير أحاسيسه إزاء ما يراه ويعتقده، وهو دقيق الملاحظة،
(1) الكميت حياته وشعرهُ: محمد حاج حسين 53 - 54.