وكان حكيم بن عياش يتعصب للأمويين ويهجو الهاشميين والإمام زيد بن عليّ هجاءً مُرًّا [1] . فرأى الكميت أن يصرفه عن ذلك بفتَح معركة معهُ في اليمنيةِ والمضرية، وبذلك دفعهُ عن هجاء بني هاشم وشغله بقومِهِ والنضال عنهم.
ويرى الدكتور شوقي ضيف [2] أن الخصومة كُلَّها بشُعَبها ترجع إلى خالد القسري نفسه، وتعصبه على الشيعة. ومن الممكن أن يكون حكيم بن عياش تهاجَى مع الكميت في أثناء ذلك، أما بسبب اليمنية وحدها أو بسبب تعصبة لبني أُميّة ضد الإمام عليّ وشيعته، أو بسببهما جميعًا ثم بيّن أن هذا كلُّه محددّ بالمّدة التي وُلّيَ فيها خالد بَنْ عبد الله القسري على العراق من سنة 105 حتى سنة120هـ ويمكن أن نجعل هذه المّدة نفسها تأريخًا لهاشميات الكميْت، إذ أغلبها نُظِمَ فيها.
ويلحظ قبل ذلك أن علاقة الكُمَيْت ببني أُميّة كانت حسنة إذ كان يوالي أسرة يمنية مشهورة هي أسرة المُهلُّب بن أبي صفرة، فكان يمدح مُخلد بن يزيد بن المهلب الذي ولاهُ أبوه على خرسان في أثناء خلافة سلُيمان بن عبد الملك (96 - 99) هـ وقدْ توفي سنة مائة للهجرة.
ويبدو أنّ قصيدته (ألا حييت عَنّا يا مدينا) المعروفة بالمذهبَّة، من أهم القصائد وأقدمها في العصبيات، فقد هجا فيها أهل اليمن هجاءً مُرًا ولمْ يترك فيها مثلبة إلا سجلها ووصمهم بها. وقد زادت هذه القصيدة على أكثر من ثلاث مئة بيت ويبدو أنها كانت سببا في حبس خالد القسري له [3] .
ومعروف عن الكميت أنّه كان شديد الحب والولاء لآلِ البيتِ، ونراهُ في تصويره لهذا الحب ثائرًا ثورةً عنيفةً على بني أُمية وواليهم خالد بن عبد الله القسري. وكانت أشعارهُ الثائرةُ لا تصل إلى سمع خالد فحسب، بل وإلى سمع الخليفة هشام بن عبد الملك أيضًا. ولذلك أمر خالدًا بحبسه، فألقاه في السجن. وكانت امرأته تدخلُ عليه في ثيابٍ وهيئةٍ حتى عرفها الحرّاس، فدخلت يومًا في غفلةٍ منهم، فلبس ثيابها وتهيّأ بهيئتها، ومضى على وجهه إلى الشام، فقال [4] :
خرجْتُ خُرُوجَ القِدْحِ قِدْحِ ابْنِ مُقْبِلٍ ... على الرُّغْمِ من تلكَ النَّوابِح والمُشْلى
عليَّ ثيابُ الغانياتِ وتحتَها ... عزيمةُ أمْرٍ أشْبَهتْ سلَّةَ النَّصْلِ
(1) الأغاني15/ 116.
(2) تأريخ الأدب العربي- العصر الإسلامي: د. شوقي ضيف/325.
(3) قولٌ على قول: حسن سعيد الكرمي10/ 214.
(4) الأغاني 15/ 120.