الصفحة 16 من 237

وقد انعقدت صداقة بينه وبين الطِرِمّاح بن حكيم الطَّائي الشاعر الخارجي، إذ كان الكميت معجبًا بشعرهِ، إذ يراه شاعرًا مجيدًا، بل وخطيبًا وراويةً، قال محمد بن سهل راوية الكميت، أنشدتُ الكميت قول الطرماح [1] :

إذا قُبِضَتْ نفسٌ الطّرمَّاحِ اخلَقَتْ ... عُرى المجْدِ واسترخى عِنانُ القَصائِدِ

فقال الكميت: (( إيْ والله، وعِنانُ الخَطابةِ والرواية ) ).

قال الجاحظ [2] : (( لم يرَ الناس أعجب حالًا من الكميت والطِّرماح، كان الكميت عدنانيًا عصبيًا، وكان الطّرماح قحطانيًا عصبيًّا، وكان الكميت شيعيًا من الغالية، وكان الطّرماح خارجيًا من الصُّفْرية. وكان الكميت يتعصب لأهلِ الكوفة، وكان الطّرماح يتعصب لأهلِ الشام، وبينهما مع ذلك من الخاصةِ والمخالطة ما لم يكن بين نفسين قطّ. ثم لم يجرِ بينهما صَرمٌ ولا جفوة ولا إعراض ولا شيء مما تدعوه هذه الخصال ) ).

وتعليل هذه الظاهرة في ما يبدو مفتاحه ما أجابابه حين سُئِلا عن السرّ في اتفاقهما مع اختلاف أهوائهما وهو قولهما [3] : (( اتفقنا على بغضِ العامّةِ ) ).

ويرى الدكتور إحسان النص [4] : (( أنَّ ألوان الثقافة الطارئة على العربِ في عصر بني أُميّة، طبقة مستنيرة ترتفع بمستواها الفكري عن سوادِ الناس، ولعلّ َنظرتها إليهم لم تكنْ تخلو من ترفعّ واستعلاء وهذا التفوق الفكري كان يوجِدْ ضرباُ من التقارب بين أفرادِ هذه الطبقة المثقفة المستنيرة، ويؤلف بينهم رغم تباعد أهوائهم واختلافها ) ).

وذكر الدكتور إحسان النص [5] أيضًا، أنّه يضاف إلى ذلك أنّ قبيلتي الشاعرين -يقصد الكُمَيْت والطّرمّاح- كانتا تعيشان في الكوفة على صفاءٍ ومودّةٍ، وكانت بين قبيلتي أسد وطّيء عداوةٍ، مباشرة لما قدّر لهذه الصداقة أن تقوم بين الشاعرين وتدوم. أن عصبية الكُمَيْت للعدنانيّة وعصبية الطّرمّاح للقحطانية فهي عصبية لآصرة الرحم الكبرى لا للعشيرة، فلمْ يكن بين الشاعرين عداوةٍ قبلية مباشرة كالتي كانت بين الكميت وحكيم بن عيّاش الكلبي )) .

(1) البيان والتبيين: الجاحظ 1/ 54.

(2) الأغاني 15/ 113.

(3) الأغاني 5/ 113.

(4) العصبية القبلية وأثرها في الشعر الأموي: د. إحسان النص /394.

(5) العصبية القبلية وأثرها في الشعر الأموي 394.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت