وهذا ضرب من التقابل الدلالي بين صورتين: إحداهما لما هو واهٍ ضعيف، وقد اٌختار له الكميت بيت العنكبوت، الذي وصفه الباري عزّ وجل بقوله: (وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنكَبُوتِ) (1) ، وأما الآخر من التقابل، فهو على الضد والنقيض من هذا الوهن وهو موج البحر العاتي العالي الذي كأنه ظُلَلُ من الغمام.
و (الحَبْوُ) يعني اٌمتلاء السحاب بالماء؛ وكُلُّ دانِ فهو حابٍ، و (الحَبيُ) سحابُ فوق سحاب، مفرده (حابِيَة) (2) ، فقال:
فباتَ وباتَتْ عليهِ السماءُ م مِن كُلِّ حابيةٍ تهطِلُ (3)
وفيه من المبالَغة في تصوير غزارة الغَيث، ما يُشعر به قوله (مِنْ كلِّ حابيةٍ .. ) إذ أن التركيب (من كُلِّ) دليل الكثرة، كما قال سبحانه في يأجوج ومأجوج وهم أقوام كُثرُ في آخر الزمان: (وَهُم مِّن كُلِّ حَدَبٍ يَنسِلُونَ) (4) .
و (الحناتِم) : السحائب السُوْد (5) ؛ لأن السواد عندهم دليل غزارة ما تحمل من الغيث، ومن ثَّم دليل على الخضرة، المستقبلة في الأرض، حين ينهلّ عليها الغيث غزيرًا، فقال:
والهْيفُ رائحة لها ينتاحها طفل العَشِيِّ بذى حَناتِم شُرَّقِ (6)
أما (الخلب) فهي: السحب التي تبرق وترعد وليس فيها غيث (7) ، قال:
إذا نَشَأَتْ مِنْهُم بِأَرْضٍ سَحَابَةُ فلا النبُت محظورةُ ولا الَبرْقُ خُلَّبُ (8)
يريد أن النبت لا يمتنع من الظهور، بعد أن ينزل الماء من السماء، فيختلط بالأرض.
ــــــــــــــــــــ
(1) العنكبوت 41.
(2) لسان العرب (حبو) 1/ 560.
(3) الديوان 2/ 8.
(4) الآنبياء 96.
(5) لسان العرب (حنتم) 1/ 733.
(6) الديوان1/ 257.
(7) لسان العرب (خلَب) 1/ 873.
(8) الهاشميات 78.