المطلب الثاني
الأدلة على تحسين حديث المقبول
اعلم أن المقبول يقابل المردود عند أهل اللغة ، وعند أهل الحديث على السواء ، قال في نزهة النظر:"المَقْبولُ وهو: ما يَجِبُ العَمَلُ بِهِ عِنْدَ الجُمْهورِ ."
وقال ابن حجر ايضًا:"وقد وجدنا في عبارة جماعة من أهل الحديث ألفاظا يوردونها في مقام القبول ينبغي الكلام عليها وهي: الثابت والجيد والقوي والمقبول والصالح ...". [1]
فالحديث المقبول مصنف ضمن هذه المجموعة من أوصاف الأحاديث .
ومعلوم أن المقبول يطلق على الصحيح والحسن ، ولكنه لا يطلق على الضعيف ، إلا أن العالم من أهل الحديث لا يعدل عن لفظة صحيح إلى (مقبول) أو جيد أو قوي أو صالح إلا لنكتة صارفةٍ .
هذا فيما يتعلق بتقسم الحديث إلى مقبول ومردود ، ففي أي مراتب القبول يقع حديث الراوي المقبول عند ابن حجر ؟ .
والجواب: إن المقبول ليس مرتبة من مراتب الصحة عند ابن حجر ، كما أنها ليست من مراتب الضعف ، لكنها مرتبة من مراتب الحسن كما سيأتي إن شاء الله.
الأدلة على أن الراوي المقبول حديثه حسن
الدليل الأول
تخريج أصحاب الصحاح للمقبول
فمن يذكره ابن حبان في الثقات ، وكان قد سكت عنه الأئمة ، وخاصة فيمن تقادم بهم العهد من التابعين ، هم من شرط الصحيح عند ابن حبان ، إذا عري عن التدليس وكان الراوي عنه ثقة ، وكذا هو من شرط الصحيح عند ابن خزيمة ، ومن باب أولى عند الحاكم ، وكذلك هو على شرط الصحيح عند الضياء المقدسي في المختارة .
فكم عند هؤلاء من راوٍ سكت عنه السابقون من الأئمة أدخله ابن حبان في ثقاته ، واحتجَّ بهم في صحيحه ، وأدخلوا حديثهم في صحاحهم ، وقد علم هذا بالاستقراء من فعلهم .
وأكثر الكتب إخراجًا لهؤلاء المقبولين هو كتاب الأحاديث المختارة للضياء المقدسي ، الذي هو بإجماع النقاد أعلى مزية من كتاب المستدرك ، يوازي تصحيحه ابن حبان والترمذي ، كما ذكر ذلك غير واحد من العلماء .
قال السخاوي:"من مظان الصحيح المختارة مما ليس في الصحيحين أو أحدهما" [2]
وقال السيوطي:"ومنهم -أي: ممن صنفوا في الصحيح - الحافظ ضياء الدين محمد بن عبد الواحد المقدسي ، جمع كتابا سماه الأحاديث المختارة" [3]
وقال الذهبي:"وهي الأحاديث التي تصلح أن يحتج بها سوى ما في الصحيحين، خرجها من مسموعاته." [4]
(قال علي) : كتاب"الأحاديث المختارة"، للحافظ ضياء الدين محمد بن عبد الواحد المقدسي ( المتوفى سنة: 643 ) ، كتاب متأخر التصنيف لتأخر وفاة مؤلفه ، عمدته فيما خرَّجه فيه على تخريج الحديث بأسانيده إلى أصحاب المصنفات ، كـ ( مسند أبي يعلى ) و ( معاجم الطبراني ) وغيرها ، وخطته فيه بينها في صدره بقوله:"هذه أحاديث اخترتها مما ليس في البخاري ومسلم ، إلا أنني ربما ذكرت بعض ما أورده البخاري تعليقًا ، وربما ذكرنا أحاديث بأسانيد جياد لها علة ، فنذكر بيان علتها حتى يعرف ذلك" [5] . .
وهذا الكتاب يغلبُ عليه الحديث الصحيح ، لكن فيه ما هو معلل بما يذكره الضياء نفسه في تعليله ، كما أشار هنا ، وفيه ما يسكت عنه ولا يصحُّ ، لكن حرصه على أن يكون منتقى من أجود الحديث ظاهرٌ فيه .
ولا يصلح أن يطلق عليه وصف الصحَّة ، إنما فيه الصحيح الغالب ، كما يوجد الصحيح الغالب في كتب السنن المعروفة ، غير أنه يمتاز بكون ما فيه من الصحيح فهو مما يزيد على البخاري ومسلم .
وهو فيه أشد احتياطًا من الحاكم ، ولذا قدمَّه طائفة من متأخري العلماء على"المستدرك"للحاكم .
قال ابن تيمية:"الَّذِي هُوَ أَصَحُّ مِنْ"صَحِيحِ الْحَاكِمِ" [6] "
وقال تلميذه ابن عبد الهادي المقدسي:"اختاره من الأحاديث الجياد الزائدة على ما في الصحيحين ، وهو أعلى مرتبة من تصحيح الحاكم ، وهو قريب من تصحيح الترمذي وأبي حاتم البستي ، ونحوهما ، فإن الغلط في هذا قليل ، ليس هو مثل صحيح الحاكم ، فإن فيه أحاديث كثيرة يظهر أنها كذب موضوعة ، فلهذا انحطت درجته عن درجة غيره" [7] .
وقال السخاوي:"هي أحسن من المستدرك" [8] .
قال العاني - رحمه الله: فهو إذن من كتب الصحة ، وتجنب صاحبه أن يدخل فيه ما أدخل الحاكم في المستدرك من الضعيف ، ولذا رجحوه عليه ، وسلموا له ما صحح من أحاديث سوى أحاديث قليلة .
ولقد طالعت أجزاء عديدة من هذا الكتاب ، ورأيته يدخل في كتابه هذا جملة من الرواة ممن هم من هذه المرتبة ، الذين قال فيهم ابن حجر مقبول ، وهو في الغالب يعقب على الحديث بتعليقات مفيدة لمبحثنا هذا ، منه: أنه يقول مثلًا: فلان ذكره البخاري وابن أبي حاتم في كتابيهما ولم يذكرا فيه جرحا ، وذكره ابن حبان في الثقات ، وقد تكررت منه هذه العبارة مرات عدديدة ، وهؤلاء غالب المقبولين عند ابن حجر .
وهذه أمثلة لمن روى لهم في كتابه هذا ممن هم من هذه المرتبة:
1-عبد الملك بن الحارث بن هشام ، صاحب أبي هريرة ، قال فيه ابن حجر ( مقبول) وساق له حديثًا من طريقه في مسند أبي بكر ، ابْنُ وَهْبٍ ، قَالَ: أَخْبَرَنِي حَيْوَةُ بْنُ شُرَيْحٍ ، قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ الْمَلِكِ بْنَ الْحَارِثِ السَّهْمِيَّ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا بَكْرٍ ، رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِ ، عَلَى هَذَا الْمِنْبَرِ ، يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - هَذَا الْيَوْمَ عَامَ أَوَّلٍ يَقُولُ ، ثُمَّ اسْتَعْبَرَ أَبُو بَكْرٍ رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِ فَبَكَى ، ثُمَّ ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - ، يَقُولُ: لَنْ تُؤْتَوْا شَيْئًا بَعْدَ كَلِمَةِ الإِخْلاَصِ مِثْلَ الْعَافِيَةِ ، فَسَلُوا اللَّهَ الْعَافِيَةَ. ( إسناده صحيح ) [9]
( قال علي ) : لكنه لم ينفرد به فقد تابعه غيره من الثقات عليه كما ذكره الضياء بعده مباشرة .!!
2-أبو خالد المجوِّز ، واسمه: ثابت بن سعد الطائي ، قال ابن حجر: مقبول ، وروى الضياء من طريقه حديثا لأبي بكر ، من طريق عَمْرُو بْنِ عُثْمَانَ ، ثنا أَبِي ، ثنا أَبُو خَالِدٍ الْمُجَوِّزُ ، عَنْ ثَابِتِ بْنِ سَعْدٍ الطَّائِيِّ ، عَنْ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ قَالَ: قَامَ فِينَا أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ إِلَى جَانِبِ مِنْبَرِ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - ، فَذَكَرَ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فَبَكَى ثُمَّ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَامَ فِي مَقَامِي هَذَا عَامَ أَوَّلَ فَقَالَ:"أَيُّهَا النَّاسُ سَلُوا اللَّهَ الْعَافِيَةَ - ثَلَاثًا - فَإِنَّهُ لَمْ يُؤْتَ أَحَدٌ مِثْلَ الْعَافِيَةِ بَعْدَ يَقِينٍ" ( إسناده حسن ) [10]
(قال علي) : لكن ثابت بن سعد لم ينفرد به ، فالتمثيلُ به فيه نظر .
3-عبد الرحمن المسلي الكوفي ، قال ابن حجر: مقبول ، وروى الضياء من طريقه حديثًا في مسند عمر،عَنْ دَاوُدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الأَوْدِىِّ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمُسْلِىِّ عَنِ الأَشْعَثِ بْنِ قَيْسٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ عَنِ النَّبِىِّ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ: « لاَ يُسْأَلُ الرَّجُلُ فِيمَا ضَرَبَ امْرَأَتَهُ » . رواه أبو داود عن زهير بن حرب ( إسناده حسن ) [11]
5-عبد الله بن خليفة الهمداني ، قال ابن حجر: مقبول ، وروى له الضياء من طريقه حديثًا عن عمر، من طريق أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ خَلِيفَةَ ، عَنْ عُمَرَ ، أَنَّ امْرَأَةً أَتَتِ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - ، فَقَالَتِ: ادْعُ اللَّهَ أَنْ يُدْخِلَنِي الْجَنَّةَ ، فَعَظَّمَ الرَّبَّ تَبَارَكَ وَتَعَالَى ، فَقَالَ: إِنَّ كُرْسِيَّهُ وَسِعَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ ، وَإِنَّ لَهُ لأَطِيطًا كَأَطِيطِ الرَّحْلِ الْجَدِيدِ إِذَا رُكِبَ مِنْ ثِقَلِهِ. ( إسناده حسن ) [12]
6-وكذا روى لعبد الله بن يسار الأعرج وهو مقبول عند ابن جر حديث
وفي الكاشف ( 3067 ) عبد الله بن يسار المكي عن سهل بن سعد وسالم وعنه عمر بن محمد وسليمان بن بلال وثق حب س
عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بِلَالٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَسَارٍ الْأَعْرَجِ ، أَنَّهُ سَمِعَ سَالِمَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ ، يُحَدِّثُ ، عَنْ أَبِيهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ، أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -:"ثَلَاثَةٌ لَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ: الْعَاقُّ لِوَالِدَيْهِ ، وَالدَّيُّوثُ ، وَرَجُلَةُ النِّسَاءِ" [13] .
قال العاني - رحمه الله-: ولو استرسلت في ذكر أحاديث المقبولين التي أدخلها الضياء في المختارة ، مما ليس في الصحيحين أو أحدهما لطال بنا البحث ، لكن هذه إشارات لبعض هؤلاء المقبولين:
7-الجهم بن الجارود ،عَنْ أَبِى عَبْدِ الرَّحِيمِ عَنِ الْجَهْمِ بْنِ الْجَارُودِ عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ أَهْدَى عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ بُخْتِيَّةً أُعْطِىَ بِهَا ثَلاَثَمِائَةِ دِينَارٍ فَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أُهْدَيْتُ بُخْتِيَّةً لِى أُعْطِيتُ بِهَا ثَلاَثَمِائَةِ دِينَارٍ فَأَنْحَرُهَا أَوْ أَشْتَرِى بِثَمَنِهَا بُدْنًا قَالَ: « لاَ وَلَكِنِ انْحَرْهَا إِيَّاهَا » [14] .
8-ميمون الكردي ، ذكره في مكانين وحسن الأول وصحح الثاني ، دَيْلَمُ بْنُ غزوان عَبْدِىٌّ حَدَّثَنَا مَيْمُونٌ الْكُرْدِىُّ حَدَّثَنِى أَبُو عثمان النَّهْدِىُّ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ: « إِنَّ أَخْوَفَ مَا أَخَافُ عَلَى أُمَّتِى كُلُّ مُنَافِقٍ عَلِيمُ اللِّسَانِ » . [15] وهو حديث صحيح
9-عبد الله بن عمر القرشى ،وحسنه يَحْيَى بْنُ أَبِى بُكَيْرٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ الْقُرَشِيُّ قَالَ: حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ سَعِيدٍ ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَاهُ ، يَزْعُمُ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَاهُ ، يَوْمَ الْمَرْجِ يَقُولُ: سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ يَقُولُ: لَوْلَا أَنَّى سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ:"إِنَّ اللَّهَ سَيَمْنَعُ هَذَا الدِّينَ بِنَصَارَى مِنْ رَبِيعَةَ عَلَى شَاطِئِ الْفُرَاتِ"مَا تَرَكْتُ عَرَبِيًّا إِلَا قَتَلْتُهُ أَوْ يُسْلِمُ .. [16]
10-أبو يحيى المكي ،الْهَيْثَمُ بْنُ رَافِعٍ حَدَّثَنِى أَبُو يَحْيَى الْمَكِّىُّ عَنْ فَرُّوخَ مَوْلَى عثمان ابن عَفَّانَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يَقُولُ « مَنِ احْتَكَرَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ طَعَامَهُمْ ضَرَبَهُ اللَّهُ بِالْجُذَامِ وَالإِفْلاَسِ » [17] .
11-إسماعيل بن عبد الرحمن بن عطية ، إِسْحَاقُ بْنُ عُثْمَانَ ، حَدَّثَنِي إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَطِيَّةَ ، عَنْ جَدَّتِهِ أُمِّ عَطِيَّةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - لَمَّا قَدِمَ الْمَدِينَةَ ، جَمَعَ نِسَاءَ الْأَنْصَارِ فِي بَيْتٍ ، فَأَرْسَلَ إِلَيْنَا عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ، فَقَامَ عَلَى الْبَابِ فَسَلَّمَ عَلَيْنَا ، فَرَدَدْنَا عَلَيْهِ السَّلَامَ ، ثُمَّ قَالَ:"أَنَا رَسُولُ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - إِلَيْكُنَّ ، وَأَمَرَنَا بِالْعِيدَيْنِ أَنْ نُخْرِجَ فِيهِمَا الْحُيَّضَ ، وَالْعُتَّقَ ، وَلَا جُمُعَةَ عَلَيْنَا وَنَهَانَا عَنِ اتِّبَاعِ الْجَنَائِزِ". [18]
12-نعيم بن دجاجة [19]
13-نعيم بن ربيعة [20]
14-هرم بن أبي نسيب أبو العجفاء السلمي [21]
15-يزيد بن الحوتكية [22]
وغير هؤلاء كثير ممن قال فيهم ابن حجر مقبول ،كما روى لأناس سكت عنهم البخاري وابن أبي حاتم وذكرهم ابن حبان في الثقات ، وهم ليسوا من رواة الكتب الستة ، فهم من هذه الدرجة ، نذكر منهم:
1-محمد بن سليمان ابن معاذ القرشي [23]
2-الرديني بن أبي مجلز السدوسي [24]
3-حماد بن يزيد بن مسلم المنقري [25]
مما سبق يمكننا أن نقول: إن حديث المقبول عند ابن حجر ، قد أدخله أصحاب الصحاح في صحاحهم جميعًا ، ولا أستثني واحدا ممن صنَّف في الصحيح ، فالبخاري روى لـ (36) مقبولا في صحيحه ، ومسلم خرج لـ (68) مقبولًا في صحيحه ، وابن حبان أخرج لـ (149) مقبولا في صحيحه ، ولا يقل حال صحيح ابن خزيمة ولا مستدرك الحاكم عن هذه الكتب ، وأمَّا المختارة فقد عرفنا شيئًا من حاله قبل قليل . [26]
وقد قال ابن حجر عن رواة الصحيحين:"ورواتهما قد حصل الاتفاق على القول بتعديلهم بطريق اللزوم ، فهم متقدِّمون على غيرهم في رواياتهم ، وهذا أصل لا يخرج عنه إلا بدليل"اهـ
وقد يتعلل البعض أن هؤلاء المقبولين لم يرويا لهم في الأصول ، بل في المتابعات والشواهد .
والجواب: لقد احتجا بالمقبول ، كما رويا له متابعة واستشهادًا ، ومن أمثلة الاحتجاج بالمقبول:
جعفر بن أبى ثور السوائي ، قال ابن حجر: مقبول .
أبو ثور الكوفي روى عن جده جابر بن سمرة في الوضوء من لحوم الإبل وغير ذلك وهو جده من قبل أمه وقيل من قبل أبيه، روى عنه أشعث بن أبي الشعثاء وسماك بن حرب وعثمان بن عبد الله بن موهب ومحمد بن قيس الأسدي ، قال أبو حاتم بن حبان: جعفر بن أبي ثور وهو أبو ثور بن عكرمة فمن لم يحكم صناعة الحديث توهم أنهما رجلان مجهولان ، قلت هكذا قال ابن حبان في الثقات ، وقال عبد الله بن علي بن المديني عن أبيه مجهول، وقال الترمذي في العلل جعفر مشهور، وقال الحاكم أبو أحمد هو من مشائخ الكوفيين الذين اشتهرت روايتهم عن جابر وليس ذكر عكرمة في نسبه بمحفوظ وكذا من قال جعفر بن ثور من غير تكنيته، وصحح حديثه في لحوم الإبل مسلم وابن خزيمة وابن حبان وأبو عبد الله بن مندة والبيهقي وغير واحد وذكر البخاري في التاريخ الاختلاف في نسبته إلى جابر بن سمرة وصدر كلامه بقوله قال سفيان وزكرياء وزائدة عن سماك عن جعفر بن أبي ثور بن جابر عن جابر بن سمرة فكأنه عنده أرجح والله أعلم [27] .
(قال علي) : روى له مسلم حديثان الأول (828 ) حَدَّثَنَا أَبُو كَامِلٍ فُضَيْلُ بْنُ حُسَيْنٍ الْجَحْدَرِيُّ ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَوْهَبٍ ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي ثَوْرٍ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ ، أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - أَأَتَوَضَّأُ مِنْ لُحُومِ الْغَنَمِ ؟ قَالَ:"إِنْ شِئْتَ فَتَوَضَّأْ ، وَإِنْ شِئْتَ فَلَا تَوَضَّأْ"قَالَ أَتَوَضَّأُ مِنْ لُحُومِ الْإِبِلِ ؟ قَالَ:"نَعَمْ فَتَوَضَّأْ مِنْ لُحُومِ الْإِبِلِ"قَالَ: أُصَلِّي فِي مَرَابِضِ الْغَنَمِ ؟ قَالَ:"نَعَمْ"قَالَ: أُصَلِّي فِي مَبَارِكِ الْإِبِلِ ؟ قَالَ:"لَا"
والثاني (2708 ) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى ، أَخْبَرَنَا شَيْبَانُ ، عَنْ أَشْعَثَ بْنِ أَبِي الشَّعْثَاءِ ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي ثَوْرٍ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ:"كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَأْمُرُنَا بِصِيَامِ يَوْمِ عَاشُورَاءَ ، وَيَحُثُّنَا عَلَيْهِ ، وَيَتَعَاهَدُنَا عِنْدَهُ ، فَلَمَّا فُرِضَ رَمَضَانُ ، لَمْ يَأْمُرْنَا ، وَلَمْ يَنْهَنَا وَلَمْ يَتَعَاهَدْنَا عِنْدَهُ"
ثم إن ما يخرجه البخاري ومسلم متابعة أو استشهادا غالبه من قبيل الحسن الذاتي ، وقليل منه ما هو ضعيف ، ومعلومٌ أنهما أخرجا لمن دون المقبول على سبيل المتابعة ، لكنه قليل ، والغالبُ على ذلك الحسن لذاته ، كما صرح بذلك ابن حجر [28] .
وقد تقدم البحث في أن كثيرا من علماء الحديث - ومنهم أصحاب الصحيح- لم يكونوا يفرِّقون بين الحسن والصحيح ، ولذلك أدخلوا حديث المقبول في صحاحهم.
فهل يحقُّ لنا الآن أن نصحح حديث المقبول تأسيا بمن سبق من أصحاب الصحيح؟
والجواب: كلا ، لا يسوغ لنا ذلك الآن ، لأن الاصطلاحات قد استقرت في ضوابط ما يطلق عليه اسم الصحيح ، وفي ضوابط ما يطلق عليه اسم الحسن .
ولهذا اقتضانا استقرار هذه الاصطلاحات إفراد من حديثه حسن ، وإن كان من رواة كتب الصحة المجمع عليها ، وهذا لا يقدح في شأن واحد من هذه الكتب ، بل هذا ما اقتضته مناهج أهل الحديث في تصنيف الحديث إلى صحيح وحسن ، والعلم عند الله تعالى" [29] ."
(قال علي) : وفي كلامه الأخير نظر ، بل نصحح ونحسن لحديث المقبول حسب مقتضى الحال ، كما سيمرٌّ معنا أثنا مناقشته فيما ذهب إليه .
وهذا مثال واحد للرد عليه الآن ،ففي التقريب ( 11 ) أحمد بن أيوب بن راشد الضبي الشعيري بفتح المعجمة أبو الحسن مقبول من العاشرة بخ
وفي تهذيب الكمال:"بخ أحمد بن أيوب بن راشد الضبي الشعيري البصري روى عن سفيان بن حبيب وسهل بن أسلم وشبابة بن سوار بخ وعبد الأعلى بن عبد الأعلى وعبد الوارث بن سعيد وعوبد بن أبي عمران الجوني ومسلمة بن علقمة المازني روى عنه البخاري في الأدب وأحمد بن عمار بن خالد الواسطي وأحمد بن محمد بن عاصم الرازي والحسن بن علي بن شبيب المعمري وعبد الله بن أحمد بن إبراهيم الدورقي وعبيد الله بن عبد الكريم أبو زرعة الرازي وعلي بن الحسين بن الجنيد الرازي" [30] . وزاد في تهذيب التهذيب:"قلت وروى عنه عبد الله بن أحمد في زيادات المسند وذكره ابن حبان في الثقات فقال ربما أغرب وكناه أبا الحسن" [31] ، وقال الذهبي:"أحمد بن أيوب بن راشد ابو الحسن الضبي البصري. عن مسلمة بن علقمة، وعبد الوارث بن سعيد، ومحمد بن أبي عدي. وكان ثقة. روى عنه: البخاري في كتاب الأدب له، وأبو زرعة، وأبو يعلى، وغيرهم" [32] .
فهذا وأمثاله نصحح حديثهم بلا ريب .
(1) - النكت على ابن الصلاح (ج 1 / ص 490)
(2) - فتح المغيث 1/37 و فتح المغيث بشرح ألفية الحديث (ج 1 / ص 31) وتوجيه النظر إلى أصول الأثر (ج 2 / ص 14) الشاملة 2
(3) - تدريب الراوي 1/144 وانظر شرح اختصار علوم الحديث (ج 1 / ص 42)
(4) - تاريخ الإسلام للذهبي (ج 10 / ص 333)
(5) - الأحاديث المختارة ( 1 / 69 - 70 )
(6) - الفتاوى الكبرى ( 3 / 48 ) وكذلك جاء عن الزركشي .الرسالة المستطرفة ، للكتاني ( ص: 24 )
(7) - الصارم المنكي ( ص: 99 )
(8) - فتح المغيث ( 1 / 38 ) وانظر تحرير علوم الحديث لعبدالله الجديع (ج 3 / ص 132)
(9) - الأحاديث المختارة للضياء (ج 1 / ص 22) وأخرجه ابن حبان من طريقه صحيح ابن حبان (ج 3 / ص 231) (950)
(10) - الأحاديث المختارة للضياء (ج 1 / ص 53) والْفَوَائِدِ الشَّهِيرُ بِالْغَيْلَانِيَّاتِ لِأَبِي بَكْرٍ الشَّافِعِيِّ (102 ) ومُسْنَدُ أَبِي بَكْرٍ الصَّدِّيقِ لِأَحْمَدَ بْنِ عَلِيٍّ الْمَرْوَزِيِّ (91 ) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ قَالَ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ الْقَوَارِيرِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ , عَنْ يَزِيدَ بْنِ خُمَيْرٍ , عَنْ سُلَيْمِ بْنِ عَامِرٍ , عَنْ أَوْسَطَ قَالَ: خَطَبَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ به .
(11) - الأحاديث المختارة للضياء (ج 1 / ص 67) وسكت عنه الحافظ ابن حجر في التلخيص الحبير (1722) وقال عنه في غذاء الألباب في شرح منظومة الآداب (ج 3 / ص 446) : وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ .وصححه الحافظ ابن حجر في تنبيه الأخبار .. الأذكار (977)
(12) - الأحاديث المختارة للضياء (ج 1 / ص 104)
قلت:عبد الله بن خليفة الهمدانى روى عن عمر وجابر وعنه أبو إسحاق السبيعى وابنه يونس بن أبي إسحاق ووثقه ابن حبان التهذيب 5/198 وصححه الضياء !!
وقال الهيثمي: ورجاله رجال الصحيح غير عبد الله بن خليفة وهو ثقة 10/159!! وذكره ابن سعد في الطبقات 6/174 وقال: روى عن عمر وعبد الله ، وروى له حديثا موقوفا عليهما وآخر عن عمر لوحده . وفى الطريق الآخر شعبة . ولم يجرحه بشئ فهو حسن الحديث، قال الذهبى: الأطيط الواقع بذات العرش من جنس الأطيط الحاصل في الرحل ، فذاك صفة للرّحل وللعرش ، ومعاذ الله أن نعدَّه صفة لله تعالى ، ثم لفظ الأطيط لم يأت به نص ثابت ."."
(13) - الأحاديث المختارة للضياء (ج 1 / ص 133) (198 ) وأخرجه الحاكم في المستدرك (244) والتوحيد لابن خزيمة (532 و534 ) وصحيح الجامع ( 3063 ) والصحيحة (674 ) والبزار (6050 و6051) وهو صحيح لغيره
(14) - الأحاديث المختارة للضياء (ج 1 / ص 139) (208)
(15) - الأحاديث المختارة للضياء (ج 1 / ص 154) (235 و236)
(16) - الأحاديث المختارة للضياء (ج 1 / ص 165) ( 253و254) وأخرجه النَّسَائِي ، في"الكبرى"8717 قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ الْقُرَشِيُّ هَذَا لَا أَعْرِفُهُ.
(17) - الأحاديث المختارة للضياء (ج 1 / ص 171) ( 263) وفي مصباح الزجاجة (769) هذا إسناد صحيح وهو حسن
(18) - الأحاديث المختارة للضياء (ج 1 / ص 181) ( 285) وصححه الألباني في التعليق على سنن أبي داود
(19) - الأحاديث المختارة للضياء (ج 1 / ص 183) (288 و760 و761 )
(20) - الأحاديث المختارة للضياء (ج 1 / ص 183) ( 289و290)
(21) - الأحاديث المختارة للضياء (ج 1 / ص 186) (291)
(22) - الأحاديث المختارة للضياء (ج 1 / ص 192) (299 و300)
(23) - الأحاديث المختارة للضياء (ج 1 / ص 130) ( 194)
(24) - الأحاديث المختارة للضياء (ج 1 / ص 142) (215 )
(25) الأحاديث المختارة للضياء (ج 1 / ص 176) (271)
(26) - إحصاء قام به الأستاذ عذاب الحمش في كتابه رواة الحديث الذين سكت عليهم أئمة الجرح والتعديل ص 202
(27) - تهذيب التهذيب (ج 2 / ص 74)
(28) - في النكت 1/316
(29) - انظر منهج دراسة الأسانيد والحكم عليها للعاني ص (58-63)
(30) تهذيب الكمال [ ج1 - ص269 ] (12 )
(31) - تهذيب التهذيب [ ج1 - ص14 ] (13)
(32) - تاريخ الإسلام للإمام الذهبي (ج 17 / ص 33)