فهذا مذهب -وإن تداولته كتب علوم الحديث- فليس صوابًا ؛ لأن قبول روايته حيث قبلناها ، فإنما حصل لأجل كونه بريئًا من الكذب معروفًا بالصدق والأمانة ، فإذا صرنا إلى ردِّ حديثه عند روايته ما تعتضد به بدعته فقد اتهمناه ، وهذا تناقض ، مع ملاحظة أن من ذهب مذهبًا كان أحرص من غيره على حفظ ما يقوي مذهبه ، فينبغي أن يقال: حفظ وأتقن ؛ لأن داعية الإتقان متوفرة فيه ، فيكون هذا مرجِّحًا لقبول تلك الرواية ما دام موصوفًا بالصدق .
وعلى مظنة أن تدعو البدعة إلى الكذب في الرواية من معروف بالصدق ، فهذا لا ينحصر في البدعة ، فإن الهوى يكون في غيرها أيضًا .
وأمَّا إطلاق القول بتكذيب طائفة من أهل البدع على التعيين ، كقول يزيد بن هارون:"لا يكتب عن الرافضة ؛ فإنهم يكذبون" [1] ، فهذا مما يجري على غالب من أدرك يزيد ورأى من هؤلاء ، وأن يكون أراد غلاتهم ، غير أن واقع الأمر أن طائفة من الرواة وصفوا من قبل بعض النقاد بالرفض ، كانوا من أهل الصِّدق ، روى الأئمة عنهم الحديث وأثنوا عليهم ، كما مثلت هنا بجماعة منهم .
وخلاصة الفصل في هذا:
أن ما قيل من مجانبة حديث المبتدع ، ففيه اعتبار الزمان الذي كانت الرواية فيه قائمة ، ومرجع الناس إلى نقلة الأخبار في الأمصار ، وما كان قد حصر يومئذ بيان أحوال الرواة ، أما بعد أن أقام الله بأهل هذا الشأن القسطاس المستقيم (علم الجرح والتعديل) فميَّزوا أهل الصدق من غيرهم ، وفضح الله بهذا العلم خلائق من أهل الأهواء والبدع وافتضحوا بالكذب في الحديث ، فأسقطهم الله ، كما أصاب الهوى بعض متعصبة السنَّة ، فوقعوا في الكذب في الحديث كذلك ، وهو وإن كانوا أقل عددًا من أصحاب البدع ، إلا أنهم شاركوهم في داعية الهوى والعصبية ، ومقابل هؤلاء وأولئك من ثبت له وصف الصِّدق من الفريقين ، فأثبت أئمة الشأن له ذلك ، فلا يكون في التحقيق وصفُ من وصفوه بالصِّدق إلا من أجل ما روى .اهـ [2]
قلتُ: وعلى هذا، فالعبرةُ عند المتقدمين في باب الرواية عن أهل البدع هو اعتبارُ أحوالهم في قوة الدِّين وظهور الصِّدق، ولذلك لم يترددوا في قبول رواية الدعاة من الخوارج، وهذا البخاريُّ قد أخرج لعمران بن حطان ثلاثة أحاديث في صحيحه، بعضها في الأصول، رغم أنّه كان داعية إلى بدعته، بل كان رأسًا من رؤوس الخوارج.
قال الشيخ أحمد شاكر رحمه الله:"العبرةُ في الرواية بصدق الراوي وأمانته والثقة بدينه وخلقه، كما أنّ المتتبع لأحوال الرواة يرى كثيرا من أهل البدع موضعا للثقة والاطمئنان، وإن رووا ما يوافق رأيهم، ويرى كثيرا منهم لا يُوثَق بأيّ شيء يرويه" [3] .
وحتى هذا الصدق وهذه الأمانة لا يكونان مبرِّرًا لقبول روايته مطلقا، وإنّما يضافُ إلى ذلك عند بعضهم إذا كان ما عنده من الحديث ممّا تشتدّ الحاجة إلى أخذه ومعرفته. ولذلك نقل الذهبي عن بعض العلماء أنّ المبتدع الداعية إذا كان صادقا، وعنده سنّةٌ تفرّد بها، فإنّه لا يسوغ ترك تلك السنّة [4] .
فأنت ترى في النهاية أنّ الاعتبار يعود إلى ملاحظة جملة القرائن والأحوال في الراوي والرواية، ومن هنا فإنّنا قد لا نعدّ ما ورد عن المتقدّمين من الأقوال المتباينة اختلافا في القواعد، وإنّما هو في غالبه اختلاف في التطبيق بحسب ما يترجّح من خلال القرائن والملاحظات، ومبلغ علم كلّ واحد منهم بأحوال الرواية والرواة.
قال الشيخ محمد بن محمد أبو شهبة رحمه الله:"إذا وجدنا بعض الأئمّة الكبار من أمثال البخاري ومسلم لم يتقيّد فيمن أخرج لهم في كتابه ببعض القواعد، فذلك لاعتبارات ظهرت لهم رجّحت جانبَ الصدق على الكذب والبراءةَ على التهمة. وإذا تعارض كلامُ الناقد وكلامُ صاحبي الصحيحين فيمن أخرج لهم الشيخان من أهل البدع، قُدّم كلامُهما واعتبارُهما للراوي على كلام غيرهما، لأنّهما أعرفُ بالرجال من غيرهما" [5] .
وقال الحافظ ابن حجر عن التشيع عند المتقدمين:"التشيع في عرف المتقدمين هو اعتقاد تفضيل علي على عثمان وأن عليا كان مصيبا في حروبه وأن مخالفه مخطئ مع تقديم الشيخين وتفضيلهما، وربما اعتقد بعضهم أن عليا أفضل الخلق بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإذا كان معتقد ذلك ورعا دينا صادقا مجتهدا فلا تردُّ روايته بهذا، لا سيما إن كان غير داعية، وأما التشيُّع في عرف المتأخرين فهو الرفضُ المحضُ، فلا تقبل رواية الرافضي الغالي ولا كرامة" [6]
فالتشيع على هذا فيه مجال للاجتهاد وإعمال الرأي، سواء في طبيعة البدعة وحقيقتها، أو في صحّتها وثبوتها في راو من الرواة، فإذا كان الأمر كذلك، وكان الراوي مع ذلك ورعا ديّنا، صادقا، مجتهدا، فما المانع من قبول روايته والاحتجاج بحديثه؟
وأمّا من زاد على ذلك، كمن يتكلّم في عثمان وطلحة والزبير وعائشة وغيرهم من أفاضل الصحابة، ويطعن فيهم ويسبّهم، فهذا هو الذي لا يقبل المتقدّمون حديثه غالبًا، وهؤلاء هم الرافضة الذين ورد عن الإمام الشافعي أنّه لا تقبل شهادتهم. اهـ [7]
ومن المُلْحق بالمُبْتدع من دأبه الاشْتغال بعلوم الأوائل, كالفَلْسفة والمَنْطق, صرَّح بذلك السَّلفي في معجم السفر, والحافظ أبو عبد الله بن رشيد في رحلته.
فإن انضمَّ إلى ذلك اعتقاده, بما في عِلْم الفَلْسفة, من قِدَم العالم ونحوه فكافر, أو لما فيها مِمَّا ورد الشَّرع بخلافه, وأقامَ الدَّليل الفاسد على طريقتهم, فلا نأمن ميله إليهم.
وقد صرَّح بالحطِّ على من ذكر, وعدم قَبُول روايتهم وأقوالهم, ابن الصَّلاح في فتاويه, والمُصنِّف في «طبقاته» وخلائق من الشَّافعية, وابن عبد البر, وغيره من المالكية, خُصوصًا أهل المغرب, والحافظ سراج الدين القزويني, وغيره من الحَنفية, وابن تيمية, وغيره من الحنابلة, والذَّهبي لهجَ بذلك في جميع تصانيفه." [8] "
(1) - أخرجه ابنُ أبي حاتم في"الجرح والتعديل" ( 1 / 1 / 28 ) وإسناده صحيح .
(2) - انظر تحرير علوم الحديث لعبدالله الجديع (ج 1 / ص 258-269)
(3) - الباعث الحثيث، أحمد شاكر، 84 .
(4) - انظر: سير أعلام النبلاء، الذهبي، 7/153 ـ 154 .
(5) - الوسيط في علوم ومصطلح الحديث، 396 .
(6) - تهذيب التهذيب، ابن حجر، 1/94 .
(7) - ندوة علوم الحديث علوم وآفاق (ج 10 / ص 23)
(8) - تدريب الراوي في شرح تقريب النواوي (ج 1 / ص 258)