خامسًا: ذكر السائل الاختلاف الواقع في قصّة طواف سليمان عليه السلام على نسائه ليلدن فرسانًا يقاتلون في سبيل الله، وقد ذكر السائل روايتين:
الأولى: تردّدت الرواية في عدد النساء هل كُنّ مائة أو تسعة وتسعين.
الثانية: ذكرت أنهنّ سبعون. وعَدّ السائل هذا الاختلاف في العدد دليلًا على التعارض الواقع في صحيح البخاري، وهو دليلٌ عنده على وقوع أخطاء في صحيحه.
والواقع أن هذا الحديث جاء في صحيح البخاري بأكثر من الاختلاف الذي ذكره السائل، فقد جاء في موطن أن عدد النساء سبعون (الحديث رقم 3424) ، وجاء أنهن ستون (رقم 7469) ، وجاء أنهن تسعون (رقم 6639، 6720) ، وجاء على التردّد بين التسعة والتسعين والمائة (رقم 2819) ، وجاء على أنهنّ مائة (رقم 5242) . وذكر الإمام مسلم روايات هذا الحديث في موطن واحد عقب بعضها متوالية، بنحوٍ من الاختلاف السابق (صحيح مسلم 3/1275-1276رقم 1654) .
وعلى هذا الإشكال أجوبة. وهي مبنيّةٌ على تقرير مهم، وهو: أنّ الإمام البخاري لم يكن غافلًا عن هذا التعارض، بل كان على علم ودراية كاملةٍ به؛ لأنّ إثبات علم البخاري بهذا التعارض يدلّ على أن ذِكْره له لم يكن مبنيًّا على أنه غفل عنه، فصحّحه لهذه الغفلة عنه؛ إذ إن علم البخاري بهذا التعارض يعني أنه لا يرى في هذا التعارض ما يَنْقُضُ شرطه في كتابه. فلا يمكن حينها أن يُذكر هذا الحديث برواياته في صحيح البخاري دليلًا على خطأ البخاري في التصحيح، وأنه صحّح ما لو تنبّه على الاختلاف الذي فيه لما صحّحه! أقول: إن هذا لا يمكن قبوله؛ إذا أمكننا أن نثبت أن البخاري كان على علم بهذا الاختلاف الواقع في كتابه، ومع ذلك ذكره فيه.
والذي يدل على أن البخاري كان على إدراك كامل بهذا الاختلاف الواقع بين هذه الروايات، عندما ذكر هذه الروايات في كتابه أمور:
الأمر الأول: حِفْظُ البخاري الذي عُرف به وقَيّده عنه المعاصرون له والشاهدون عليه، وهو حفظٌ باهر نادر المثال بين الناس. ومثل هذا الحفظ يُستبعد معه أن يغيب عن البخاري مثل هذا التعارض الواضح الذي لا يغيب عن أحد، ولا يحتاج إلى عُمق فهم لإدراكه.