الصفحة 10 من 30

ومن هنا أدخل في الجواب عن الإشكالات التي ذكرها:

أولًا: الجواب عن الإحصائية التي ذكرها.

والجواب الأوّل: أن السائل لم يعرف مقصود العلماء من تلك الأعداد للأحاديث، وما هو مرادهم من (الحديث) في ذلك السياق.. حيث إنهم يقصدون بذلك (أوّلًا) : أحاديث النبي -صلى الله عليه وسلم- والصحابة والتابعين، ولذلك لمّا قال الإمام أحمد"صحّ من الحديث سبعمائة ألف، وكسر"فسّره البيهقي بقوله:"أراد ما صحّ من: الأحاديث، وأقاويل الصحابة وفتاوى من أخذ عنهم من التابعين". تهذيب الكمال للمزّي 19/96-97)، وانظر بمعناه في البحر الذي زخر للسيوطي (2/743) .

ويقصدون ثانيًا: الأسانيد المكرّرة والطرق المتعدّدة للحديث الواحد، فيعدّون كل إسنادٍ حديثًا، فتتعدّد الأحاديث (بمعنى الأسانيد) للمتن الواحد. وهذا ما فسّر به جماعةٌ من العلماء كلام البخاري وغيره؛ لأن هذا هو اصطلاحهم بالحديث. فانظر علوم الحديث لابن الصلاح (20-21) ، والنكت للزركشي (1/181-182) ، والنكت لابن حجر (1/297) ، والبحر الذي زخر للسيوطي (2/743-748) .

ومن ثَمَّ يكون العَدَدُ الذي ذكره السائل ليس المقصود به متون الأحاديث، حتى يتصّور ذلك التصوّر الذي جعله يستكثر تمكّن البخاري من نقدها؛ لأنّ ذلك العدد أكثره ممّا يُروى عن غير النبيّ -صلى الله عليه وسلم-، فهو لا يدخل في شرط البخاري في صحيحه، الذي اشترط أن يذكر فيه ما صحّ عن النبيّ -صلى الله عليه وسلم- دون غيره.

ثم إن هذا العدد سيتضاءل جدًّا أيضًا، إذا فهمناه كما كان المحدّثون يستعملونه، وهو أنهم أرادوا به الأسانيد، لا المتون. وإذا كان حديث"إنما الأعمال بالنيات..."قد رواه عن يحيى بن سعيد الأنصاري أكثر من ثلاثمائة راوٍ (كما ذكره الحافظ ابن حجر في فتح البارى 1/11) ، فكم رواه عن كل واحدٍ من هؤلاء الثلاثمائة؟! فهذه مئات الأحاديث لمتن واحد. والبخاري ليس مضطرًّا للنظر في كل تلك الأسانيد للحكم على الحديث بالصحّة، بل يكفيه منها ما يدلّ على عدم الوقوع في الكذب والخطأ، ليحكم بناءً على أدلّة موافقة ذلك الحديث للواقع أنه حديثٌ صحيح.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت