فإن ردّها السائل، فإنّنا نسأله: لماذا تردّها؟ والقرآن لا يدل على ردّها؛ لأنها لا تُعارضُه. ثم كيف تردّها؟! وقد سبق أن قبلتَ ما لا يعارض القرآن، كما في الحالة الماضية، هذه ازدواجيّة غير عادلة.
أضف إلى هذين الجوابين جوابًا ثالثًا: لا شك أن السائل يعلم أن النبيّ -صلى الله عليه وسلم- كان في حياته يوجّه أصحابه والمسلمين في زمنه بتوجيهات كثيرة، وأنه كان يتحدّث معهم بغير القرآن، ويأمرهم بأوامر عديدة، هي في كثرتها تفوق القرآن الكريم عددًا ولاشك. هذا هو الذي لا يشك عاقلٌ فيه، خلال ثلاثة وعشرين عامًا عاشها النبيّ -صلى الله عليه وسلم-بعد بعثته بين أصحابه. وأحاديث السنة النبويّة الواردة عنه -صلى الله عليه وسلم- وإن شكّك السائل في أفرادها وبعض آحادها، إلا أنه لا يمكن أن يشك في أن بعضها صحيح يقينًا، ولو على وجه الإجمال دون تعيين؛ لأن هذه الأحاديث البالغة الكثرة لا يمكن أن يُتصوّر في جميعها أن تكون اختلاقًا، كما أنّ تصوّر أن يكون النبيّ -صلى الله عليه وسلم- لم يكن يتكلم إلا بالقرآن لا يقوله عاقل.
فخرجنا من هذا التقرير بأن الصحابة -رضي الله عنهم- قد تلقَّوا عن النبيّ -صلى الله عليه وسلم- أحاديث كثيرة سوى القرآن، وهي كانت بالنسبة لهم دينٌ يجب أن يطاع، لقوله تعالى:"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ" [النساء:59] .
وغيرها من الآيات التي أحلنا القارئ إلى الفتوى التي ذكرناها فيها في أوّل هذا الجواب.