دخل (ابن تيمية) السجن عام 705 هجرية في مصر، إثر رفضه أن يقف منه (قاضي المالكية) هناك، موقف الخصم والحكم حين اتهم ببعض أمور العقيدة التي طرحها في رسائله، ثم حاول الأمير حاكم القاهرة، مع قضاتها، إخراجه من السجن بعد مرور سنة، مقابل تراجعه عن بعض ما طرحه في العقيدة، فرفض ذلك. ثم خرج من السجن بعد أن توسط له أمير عربي اسمه (عيسى بن مهنا) وكان قد مكث فيه ثمانية عشر شهرا، ثم بدأ يعظ الناس ويفققهم في أمور دينهم، وكانت طائفة المتصوفة ذات الحظ الواسع في الانتشار أكثر الفئات التي تصادم معها، وبالذات فيما يتعلق بعقيدتها في وحدة الوجود وفي الاستغاثة بغير الله، فهو يؤكد أن الاستغاثة تكون بالله، وحده - جل وعلا - فأثار هذا الموقف الضجة حوله، وضاقت الدولة ذرعا بهذه الحالة، فخيرته بين العودة إلى دمشق، أو الذهاب إلى الاسكندرية، بشرط ألا يعلن عن اعتقاده في هذين الموطنين، أو يدخل السجن مرة ثانية، فاختار السجن. لكن تلاميذه أقنعوه بالمضي إلى دمشق، في حين أن الدولة أقرت حبسه، ودخل السجن في شوال 707 للهجرة، لكنه كان حبسا أقرب إلى الإقامة المقيدة، فاستمر على الاتصال بالناس.
ثم عزل السلطان (الناصر بن قلاوون) نفسه عن الحكم، وتولاه بعده (المظفر بيبرس) ، فنفى (ابن تيمية) إلى الاسكندرية، ومكث فيها سبعة أشهر، وكانوا يريدون من نفيه إلى الاسكندرية أن يبطش متصوفتها به، لكن الله تعالى حماه وحفظه، وكانت إقامته مصدر هداية؛ إذ استمر يلقي دروسه فيها، ويعلم الناس، إلى أن عاد (الناصر بن قلاوون) إلى الحكم، فأعاده إلى القاهرة، وعاد إلى درسه ووعظه، ثم ارتحل إلى دمشق، بعد أن أجرى الله تعالى على يديه الخير الكثير في مصر.
ب- سجنه في دمشق:
عاد (ابن تيمية) إلى دمشق، وتفرغ للتأليف والفتوى والتدريس، والتفت إلى الأمور الفقهية، يعالجها بعد أن عالج العقيدة فيما سبق من حياته، وكان مما أفتى فيه أن الحلف بالطلاق لا يوقع الطلاق، وخالف بذلك الأئمة الأربعة، ثم حدث عتاب ورجاء بينه وبين قضاة دمشق، ألا يفتي هذه الفتوى، لكنه رأى ذلك كتمانا للعلم، فسجن بأمر السلطان سنة 720 للهجرة، ومكث في السجن ما يقرب من ستة أشهر، ثم خرج من السجن، وعاد إلى سيرته: يخطب ويعظ، ويفتي ويدون الكتب ويتصل بالناس، ويجهر بالحق، لكن الفئات المنحرفة والحاقدة أقض مضاجعها نشاطه الدائب، ونجاحه المستمر، والتفاف الناس حوله، فبحثت عن فتوى تحرك مشاعر الناس والحاكم ضده، فوجدوها في فتوى كان قد