الصفحة 66 من 94

جاء التتار إلى الشام عام 699 هجرية بعد أن هزموا جند (الناصر بن قلاوون) ، وفر أغلب أعيان الشام إثر هذا الانهزام، وعاش عامة الناس في فوضى ورعب شديدين، خوفا من هجوم التتار عليهم، لكن (ابن تيمية) بقي إلى جانبهم، فمجع من تبقى من أعيانهم، ووضع خطة لضبط الأمور داخل دمشق، واقترح تشكيل وفد لمخاطبة (قازان) ملك التتار، وذهب (ابن تيمية) ضمن الوفد، وألقى الله تعالى مهابته في قلب قازان، وأغلظ له القول، واستطاع أن يقنعه بعدم دخول دمشق. ثم ترامت الأنباء عام 700 هجرية، أن التتار سيقصدون دمشق، فبدأ الناس يفرون خوفا مثل المرة الأولى.

لكن (ابن تيمية) بدأ يحث المسلمين على القتال، وأوجب عليهم جهاد التتار، ورغبهم في إنفاق الأموال من أجل تجهيز عدة القتال، ثم طلب منه أعيان دمشق، ونائب السلطان فيها، أن يذهب إلى مصر؛ لحث السلطان على نصرة أهل الشام، ففعل ذلك، وما زال بالسلطان يكلمه ويحثه ويذكره، حتى خرج بجنده إلى دمشق. ولما علم التتار أن خصومهم جهزوا أنفسهم التجهيز الجيد، عادوا ولم يهاجموا دمشق. سار التتار مرة ثالثة إلى دمشق عام 702 هجرية، وامتطى (ابن تيمية) هذه المرة صهوة جواده، وامتشق حسامه مشجعا المسلمين، موضحا لهم أحكام دينهم، مؤكدا انتصارهم على عدوهم، ووقعت المعركة التي سميت في التاريخ (معركة شقحب) في رمضان من عام 702 هجرية، وانتصر فيها المسلمون على التتار. وكانت طائفة النصيرية التي تسكن غرب دمشق، قد مالأت التتار في قتالهم، فحرض (ابن تيمية) السلطان عليهم، وحذره منهم، وخرج إليهم في جماعة من أصحابه، ومعه نقيب الأشراف، ثم تبعه جنود المسلمين، وقاتلوا حاملي السلاح منهم.

السجن في حياة ابن تيمية:

دخل (ابن تيمية) السجن عدة مرات. وهي ضريبة دفعها ثمن كلمة الحق، التي كان لا يتهاون في الجهر بها، وثمن وشاية الواشين به عند ذوي السلطان، ولكنه كان يعتبر ذلك غنما لا غرما، كما قال في كلمته المشهوره: (ماذا يظن أعدائي أنهم يفعلون بي؟ إن جنتي في صدري، إن قتلي شهادة، وإن سجني خلوة وإن نفيي سياحة) . إنه منطق الإيمان والاستسلام لقضاء الله، الذي كان يملأ جوانح ابن تيمية.

أ- سجنه في مصر:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت