العقبة، ونحن ثلاثة وسبعون رجلا، ومعنا امرأتان من نسائنا، نسيبة بنت كعب و أسماء بنت عمرو بن عدي.
فلما اجتمعنا في الشعب ننتظر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جاءنا ومعه العباس بن عبد المطلب، وهو يومئذ على دين قومه، إلا أنه أحب أن يحضر أمر ابن أخيه ويستوثق له، فلما جلس كان أول متكلم قال: يا معشر الخزرج إن محمدا منا حيث علمتم، وقد منعناه من قومنا ممن هو على مثل رأينا فيه، فهو في عزمة من قومه ومنعة في بلده، وإنه قد أبى إلا الإنحياز إليكم واللحوق بكم، فإن كنتم ترون أنكم وافون له بما دعوتموه إليه، ومانعوه ممن خالفه، فأنتم وما تحملتم من ذلك وإن كنتم ترون أنكم مسلموه وخاذلوه بعد الخروج إليكم، فمن الآن فدعوه فإنه في عزة ومنعة من قومه وبلده. . . .
قال كعب: فقلنا له: قد سمعنا ما قلت؛ فتكلم يا رسول الله؛ فخذ لنفسك وربك ما أحببت، فتكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتلا القرآن، ودعا إلى الله، ورغب في الإسلام، ثم قال: أبايعكم على أن تمنعوني مما تمنعون منه نساءكم وأبناءكم. قال كعب: فأخذ البراء بن معرور بيده وقال: نعم، فوالذي بعثك بالحق لنمعنك مما نمنع أزرنا، فبايعنا يا رسول الله، فنحن - والله - أبناء الحروب، ورثناها كابرا عن كابر، فاعترض هذا القول - والبراء يكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم - أبو الهيثم بن التيهان فقال: يا رسول الله، ان بيننا وبين الرجال - يعني اليهود - حبالا، وإنا قاطعوها. فهل عسيت ان فعلنا ذلك، ثم أظهرك الله، أن ترجع إلى قومك وتدعنا؟ قال: فتبسم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم قال: بل الدم الدم والهدم الهدم أنا منكم وأنتم مني، أحاب من حاربتم وأسالم من سالمتم. . . وأمرهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يخرجوا منهم اثني عشر نقيبا يكونون على قومهم بما فيهم فأخرجوا منهم النقباء، تسعة من (الخزرج) وثلاثة من (الأوس) ، فقال لهم رسول الله عليه الصلاة والسلام: أنتم على قومكم بما فيهم كفلاء ككفلة الحواريين لعيسى بن مريم - وأنا كفيل على قومي. [1]
(1) قال الألباني عنه في تحقيقه فقه السيرة: حديث صحيح رواه ابن أبي إسحاق في المغازي (1/ 273 - 276) عن ابن هشام وأحمد (3/ 460 - 463) . وأبي جرير في تاريخه من طريق ابن إسحاق، قال: حدثني معبد بن كعب بن مالك بن أبي كعب أن أخاه عبد الله بن كعب - وكان من أعلم الأنصار - حدثه أن أباه كما حدثه، وهذا سند صحيح، وصححه ابن حبان كما في الفتح (5/ 475) قلت: وأما قوله في آخر القصة، فقال لهم الرسول - صلى الله عليه وسلم:"أنتم. . ."فأخرجه ابن إسحاق (1/ 277) عن عبد الله بن أبي بكر مرسلا فهو ضعيف، ورواه ابن جرير (2/ 93) عن طريق ابن إسحاق.