فهرس الكتاب

الصفحة 306 من 564

2 ـ إنه إذا كانت المدة التي احتفظ البائع فيها لنفسه بمنافع المبيع هي مدى حياته لا مدةً موقوتة، كما في الحادثة موضوع البحث، فحينئذٍ يختلف وجه القضية جدًّا، فتكتسب طبيعة العقد معنى الوصية؛ لأن أثر البيع عندئذٍ مضاف إلى ما بعد الموت، فيصلح ذريعة للاحتيال على الحكم الشرعي الذي يمنع الوصية للوارث إلا بإجازة باقي الورثة، وحينئذٍ تقتضي القواعد الفقهيّة الشرعيّة، وخاصة مبدأ سدّ الذرائع، وقاعدة القصود في العقود، أن يعتبر مثل هذا التصرُّف إلى الوارث في حكم الوصية المضافة لما بعد الموت فيتوقَّف نفاذة على إجازة باقي الورثة بعد موت المتصرف، وهو هنا البائع المورث، نظير ما قضت به المادة / 878/ من القانون المدني.

3 ـ إن شواهد الفروع الفقهية المفرَّعة على تلك القواعد الآنفة الذِّكر، والتي أوردنا طائفة منها، وخاصة في طلاق الفرار، وتحول عقد الإعارة والقرض والكفالة والحوالة والصلح والتصرف بالوصية والوقف إلى غيرها من الشواهد الفقهية، وقد جاءت المجلة بكثير منها كلها ناطقة بذلك، ولا يصحُّ في ظلِّها أصلًا تخريج آخر يبقى العقد معه بيعًا، وينفذ أثره بعد الموت في تفضيل أحد الورثة وتمليكه قدرًا زائدًا عن ميراثه رغمًا عن إرادة باقي الورثة؛ لأن ذلك يجعل الحكم الشرعي في عدم نفاذ الوصية للوارث عديم القوة، كما أنه ينافي قاعدة اعتبار المقاصد أساسًا في تفسير العقد وتكييفه، وقاعدة سدِّ الذرائع، وهما من القواعد الأساسية في فقه الشريعة، فالتخريج الصحيح هو ما يوافقهما لا ما يناقضهما، ويفتح باب الاحتيال على الشرع. فالقول بأن أحكام المجلة والفقه الشرعي تقتضي خلاف حكم المادة / 878 / من القانون المدني هو قول غير سديد، ولا يتفق مع المنطق الشرعيّ، ولا يشهد بصحته شاهدٌ مّا من قاعدة أو فرع في نصوص الفقهاء.

هذا ما أراه في هذه القضية، والله سبحانه وتعالى أعلم، وهو الموفِّق للصواب.

دمشق في 22/2/1955م.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت