فهرس الكتاب

الصفحة 219 من 564

وأول هذه النتائج وأهمّها يتلخّص في أن المقصود هنا من بيان الأساس الأول هو أن القرآن قد نزل بلسان العرب، وأساليبهم البيانيّة، فطلب فهمه إنما يكون بالطريق التي يفهمه مَن خوطِبوا به حين أُلْقِي إليهم، وهم أهل هذا اللسان خاصّة، على أميتهم وجهلهم بالعلوم والفلسفات التي وُجِدَت لدى غيرهم من الأمم، وجهلهم بالاصطلاحاتِ والمَفاهيم الطارئة حين أُسِّسَت العلوم، ووضعت فيها الاصطلاحات، وحُدِّدت لها المفاهيم العلميّة في اللغة العربيّة بعد ذلك.

هذا يستلزم أنّ مَن يكون أكبر فقيه، وأرسخ عالم في العصور العلميّة اللاحقة، يجب أن يفهم النصَّ القرآني، أو الحديث النبوي كما يفهمه صحابة رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وكما يفهمه البدويُّ الأُمِّيُّ من العرب إذ ذاك؛ لأنّهم هم أهل اللسان الذي خوطِبوا به، ففهم أي عالم لمدلول النَّصِّ بعد ذلك، مهما علا كعبه في العلوم، وطال باعُه، يجب أن يكون تَبْعًا لفَهم ذلك العربيّ الأول ابن اللسان الذي جاء به ذلك النَّصّ، وخوطِب به.

قال الإمام الشاطبي ـ رحمه الله ـ في هذا المقام:

"فإن قلنا إن القرآن نزل بلسان العرب، وإنه عربيّ لا عُجْمَة فيه، فبمعنى أنّه أنزل على لسان معهود العرب في ألفاظها الخاصّة، وأساليب مَعانيها، وأنّها فيما فُطِرَت عليه من لسانِها تُخاطَب بالعام يُراد به ظاهرُه، وبالعامّ يُراد به العامُّ في وجه، والخاصُّ في وجه، وبالعام يُراد به الخاصُّ، وبالظاهر يُراد به غيرُ الظاهر، وكلُّ ذلك يُعرف من أول الكلام أو وسطه أو آخره، وأنها تتكلّم بالكلام يُنْبئ أوله عن آخره، أو آخره عن أوله، وتتكلّم بالشيء يُعرف بالمعنى، كما يُعرف بالإشارة... وكلُّ هذا معروف عندها، لا تَرتاب في شيء منه هي، ولا من تعلق بعلم كلامها."

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت