والحديث أو اللغة قلما يساوي في فهمها والتفقه فيها من يعنى بفهمها دون حفظها، وقد علم بالتجربة أن قوة الاستعداد للحفظ قلما تتفق مع قوة الاستعداد للفهم والحكم في المعاني، فأكثر حفاظ الحديث غير فقهاء فيه، وأكثر الفقهاء غير حفاظ له، وكذا علماء المعقول فقلما تجد في كبارهم حافظًا للحديث والآثار أو من يسمى محدثًا، وقد كان أبو حنيفة يعد أفقه أئمة المذاهب المشهورة وهو أقلهم حفظًا، وكان أحمد بن حنبل أحفظهم، وقد قال فيه الإمام ابن جرير: إنه محدِّث لا فقيه. [1]
بل يُروى أن الشافعي قال لأحمد على ما اشتهر من إجلاله له: (( إذا صح عندكم الحديث فأخبرونا به، فأنتم أعلم بروايته ونحن أعلم بفقهه ) )، أو ما هذا معناه. [2]
5 -إن فائدة حفظ النصوص تبليغها للناس، وإننا نرى المروي عن عمر من الحديث في البخاري [3] ، وفي مسند أحمد أكثر من المروي عن علي [4] ، وهو لم يرو إلا عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن أبي بكر وأبي بن كعب، وعلي قد روى عنه وعن أبي بكر والمقداد بن
(1) ذكر بعض من تكلم في هذه العبارة - على فرض ثبوتها - عن ابن جرير أنه لا يريد نفي كون الإمام أحمد فقيهًا وإنما يريد نفي كونه فقهيًا متبوعًا , فابن جرير ولد سنة (224 هـ) في حياة الإمام أحمد المتوفى سنة (241 هـ) ثم توفي ابن جرير سنة (310 هـ) ومذهب الإمام أحمد لم يتكون إقراء فروعه في هذه الفترة , فكان في طور رواية تلامذته له , وجمع الخلال له , المتوفى سنة (311 هـ) أي بعد ابن جرير بعام واحد , وأول مختصر في فقهه كان من تأليفه الخرقي المتوفى سنة (334 هـ) فصار بدءُ إقرائه في الكتاتيب كما في تلقن القاضي أبي يعلى له , وعلى يد أبي يعلى المتوفى سنة 458 هـ) الذي تولى القضاء وشيخه الحسن بن حامد المتفى سنة (403 هـ) بدأ ظهور المذهب , وتكونه , وتكاثر أتباعه , والاشتغال في تهذيبه , وتدوين المتون والأصول , وكل هذا بعد وفاة ابن جرير بزمن كما هو ظاهر. انظر: المدخل المفصل إلى مذهب الإمام أحمد بن حنبل للعلامة بكر بن عبد الله أبو زيد رحمه الله 1/361-368.
(2) لم أقف على ما معناه أن الشافعي قال عن نفسه: (( ونحن أعلم بفقهه ) )وإنما المشهور عنه الجزء الأول من العبارة التي نقلها المؤلف وهي: (( إذا صح عندكم الحديث فأخبرونا به ) )انظر: معرفة السنن والآثار للبيهقي (2 / 454 رقم: 3436) ، سير أعلام النبلاء (11 / 213) ، تاريخ دمشق (51 / 385) .
(3) هذا الإطلاق فيه نظر؛ فإن روايات علي بن أبي طالب رضي الله عنه في البخاري مع المكرر 98 حديثًا، وغير المكرر 34 حديثًا تقريبًا.
(4) هذا الإطلاق فيه نظر أيضًا؛ فإن مجموع المروي عن علي رضي الله عنه في مسند الإمام أحمد - حسب إحصاء شخصي قمت به - يبلغ 818 حديثًا تقريبًا بالمكرر والضعيف، وتبدأ من (1 / 75 إلى 1 / 160 ط: الميمنية) ، وأما مجموع أحاديث عمر رضي الله عنه- بالمكرر والضعيف أيضًا - فإنها تبلغ 317 حديثًا تقريبًا وتبدأ من (1 / 14 وإلى 1 / 56 ط: الميمنية)