كما تقدم شرحه [1] ، وثَبَتَ رسول الله صلى الله عليه وسلم كعادته، وثبت معه من كان قريبًا منه من أهل بيته وغيرهم من كبار المهاجرين الذين لم يكونوا يفارقونه، كأبي بكر وعمر وابن مسعود رضي الله عنهم. [2]
وقد صرح ابن مسعود بأن الذين ثبتوا معه صلى الله عليه وسلم كانوا ثمانين رجلًا كما تقدم، ومن عدهم أقل من ذلك فإنما عد من رآه بالقرب منه، ومن حفظ حجة على من لم يحفظ.
وليس معنى هذا: أن سائر الجيش قد انهزم جبنًا وترك الرسول وهو يعرف مكانه عمدًا، بل وَلَّى الجمهور مدبرين بالتبع للطلقاء [3] والأحداث [4]
الذين فروا من رشق السهام، وأكثر هذه الألوف لا يعرف مكانه عليه الصلاة والسلام، كما عرف هؤلاء الذين كانوا حوله صلى الله عليه وسلم ولما علم سائر المسلمين ولا سيما الأنصار بمكانه صلى الله عليه وسلم من نداء العباس رضي الله عنه أسرعوا في العطف والرجوع. هذا ما رواه المحدثون والمؤرخون.
(1) ملخصه: أنه اعتراهم زهو وغرور بقوتهم حتى قال بعضهم: لا نغلب اليوم من قلة، فرباهم الله تعالى بإبتلائهم بهذه الهزيمة بسببها المذكور ليزدادوا إيمانا بفضل الله عليهم ونصره لهم. (ر)
(2) كما ثبت فيما أخرجه الإمام أحمد في المسند (1 / 453 ط: الميمنية) ، والبزار (كشف الأستار 2/382) . والطبراني في المعجم الكبير (10/209) ، والحاكم في المستدرك (2/117) ، والبيهقي في دلائل النبوة (3/44- 45) .
وثبت أيضًا بإسناد حسن أخرجه الإمام أحمد في المسند (3 / 376 ط: الميمنية) والطبري في تاريخه والبيهقي في دلائل النبوة، من حديث عبد الرحمن بن جابر بن عبد الله عن أبيه رضي الله عنه قال: (( وفيمن ثبت معه صلى الله عليه وسلم أبو بكر وعمر ) ).
(3) وهذا هو ما صرح به أنس بن مالك رضي الله عنه في حديثه عند مسلم (1809) وغيره ن أم سليم اتخذت يوم حنين خنجرا، فكان معها، فرآها أبو طلحة فقال: يا رسول الله! هذه أم سليم معها خنجر، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( ما هذه الخنجر؟ ) )قالت: اتخذته إن دنا مني أحد من المشركين بقرت به بطنه، فجعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يضحك، قالت: يا رسول الله! اقتل من بعدنا من الطلقاء انهزموا بك. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( يا أم سليم إن الله قد كفى وأحسن ) ).
(4) كما جاء عند البخاري (4315) وغيره عن البراء بن عازب رضي الله عنه قال: (( أما أنا فأشهد على النبي صلى الله عليه وسلم أنه لم يول ولكن عجل سرعان القوم فرشقتهم هوازن ) )، و (( سَرَعان القوم ) )بفتح السين والراء، ويجوز تسكين الراء: أوائل الناس الذين يتسارعون إلى الشيء ويقبلون عليه بسرعة. (ابن الأثير: النهاية 2/361) .
وورد في لفظ عند البخاري أيضًا (2930) قال البراء رضي الله عنه: (("والله ما ولى رسول الله صلى الله عليه وسلم ولكنه خرج شبان أصحابه وأخفاؤهم حسرا ليس بسلاح فأتوا قوما رماة جمع هوازن وبني نصر ما يكاد يسقط لهم سهم فرشقوهم رشقا ما يكادون يخطئون ) )."
فهذا الحديث يدل على أن من أسباب التي أدت إلى تلك الأحداث في حنين أن سرعان القوم وأخفاءهم عجلوا في مبارزة العدو قبل استكمال عدة الحرب فلم يستطيعوا الثبات أمام هجمة هوازن عليهم ففروا وفر الناس بعدهم.