والاستشهاد له بما يؤيّده، والذي يستخلص منه أنّ صيغة (مَفعَلة) في العربية لها دلالتان تفيدان التكثير:
احداهما: تكثير المُسمّى: وهي مدار البحث، إذ تدلّ على كثرة الُمسمّى أواللفظ المَصوغ بوزنها، فقولهم: العُشب مَلبنةٌ مَسمنةُ، معناه أنّ العُشب سبب لكثرة اللَبن والسُمنة، وقولهم: الوَلد مَجبَنة مَبخَلة وقيل مَحزَنة معناه: أنّه سبب لكثرة الجُبن، إذ يخاف الأهل على أنفسهم وعلى أولادهم فيجبُنون عن الخروج إلى الحروب. وهم سبب لكثرة البُخل، إذ يقتصد الأبَوان ليوفرا لأولادهما متطلبات المعيشة، وكذلك هم سبب لكثرة الحُزن، المترتّب على ما يصيبهم من مرضٍ أو موتٍ أو مصائب [1] .
ولم تتحقق دلالة الكثرة إلا باقتران الصيغة بتاء التأنيث، ومهما اختلفت تفسيرات (مَبصَرة) فهو يصدق عليها أن تكون بزنة (مَفْعلة) ؛ لأنّها سبب في تقديم آية بيّنة للمجاهدين، ولقوّة هذه الآية ولتعدّد عجائبها فقد أوقعت التبَصُّر في قلب العاقل المُتدبّر.
والأخرى: تكثير المكان: وقد أشار إليها علماء العربية، وهي من اسم المكان بزنة (مَفعَل) ، نحو مَلعَب ومَكتَب ومَخبَأ ومَلجَأ: فإذا اقترنت به تاء التأنيث دلّت على كثرة وجود ذلك الشيء في المكان، نحو: مَأسَدة ومَسبعَة ومَذأبَة أي كثيرة الأسود والسباع والذئاب [2] .
ت ـ دلالتها على الاسمية:
عقد الطوسي في تفسيره نقاشًا في إلحاق تاء التأنيث بصيغة (فعيل) النائبة عن (مفعول) وتجنّبًا للإطالة فإنّ البحث سيكتفي في تلخيص ما جاء في مناقشته من مسائل دلالية، وهي [3] :
1ـ أنّ (فَعيل) إذا كان بمعنى (مَفعول) ، فلا يجوز إلحاق تاء التأنيث به؛ لأنّه (( ترك للمبالغة في الصفة كما قالوا: كفّ خَضيب ولحية دَهين، وتركت عَلامة التأنيث؛ لأنّها لمّا كان دخولها فيما ليس له للمبالغة نحو: رجل عَلاّمة، كان سقوطها فيما هي له بالمبالغة، فحسُن هذا التقابل في الدلالة ) ) [4] ، إذ إن إدخال التاء وطرحها يكون للمبالغة، وكلٌ حسب موضعهِ.
2 ـ تلحق تاء التأنيث (فَعيل) النائبة عن (مَفعول) إذا تحوّلت من الوصفية إلى الإسمية في نحو: الفَطيمة والطَويلة والظَريفة.
3 ـ يرى الكوفيون أنّ (فَعيل) النائبة عن (مَفعول) إذا وردت نعتًا لاسم يسبقها كانت بلا تاء، في نحو: عينٌ كحيل، وإذا حذف الاسم وناب النعت منابه لحقته تاء التأنيث في نحو: رأيت كحيلة
(1) ينظر: حاشية الصّبان على شرح الأشموني 2/ 312.
(2) ينظر الكتاب 4/ 94، والمخصّص 14/ 98، والمفصّل 239 وشرح المفصّل 6/ 110، وشرح الشافية 1/ 188.
(3) ينظر التبيان 3/ 431.
(4) التبيان 3/ 299 ـ 230.