الصفحة 244 من 337

توطئة:

قبل الكلام على أنواع السياق ودلالته في تفسير (التبيان) ، لابدّ من تحديد مفهوم المعنى السياقي والفرق بينه وبين المعنى المعجمي، فهما معنيان مُتقابلان، إذ يُراد بالمعجمي: المعنى الذي نَستقيه من المعجمات المختلفة، ويُمثّل المعنى الوَضعي الأصلي للفظ، الذي سُمّيَ المعنى المركزي [1] أو الأساس [2] . أمّا المعنى السياقي فهو الذي يُستقى من النَظم اللفظي والمعنوي للكلمة وموقعها من ذلك النَظم [3] ، أو من السياق العام للكلام، إذ تخضَعُ الكلمة للعَلاقات المَعنويةّ والظروف الحاليّة والتعبيريّة المُحيطة بها، التي يأتلِفُ بعضُها مع بعضٍ لتبيّن المعنى الخاص لتلك الكلمة، الذي سُمّي الإضافي [4] ، أو الهامشي [5] ، أو ظلال المعنى [6] .

والفارق الأساسي بين المعنيين المعجمي والسياقي هو تعدّد الأول وتحدّد الثاني [7] ، إذ لا يُعينُ الأوّل على تحديد البُعد الدَلالي للكلمة؛ لأنّها تَحتمل أكثرَ من معنىً، وهو في الغالب معنىً منفردٌ منفصلٌ يقوم على التَجريد المَنطقي [8] ، أمّا الثاني فهو معنىً محدّدٌ تَحكُمُه عَلاقة الكلمة بكلِّ ما يُحيط بها من عَناصر لغويّة وغير لغويّة، خاصّة بالمُتكلّم والمُخاطَب، ثقافية واجتماعية. ولذا فهو لا يَقبل التَعدُّد، ففي كلّ سياق تكتسب الكلمة معنىً مُحدّدًا مُؤقتًا يُمثّل القيمة الحضوريّة لها، التي تختلف من سياقٍ إلى آخر [9] . لذا فإنّ المعاني السياقيّة للكلمة الواحدة تتعدّدُ بتعدّدِ السياقات التي تَرِدُ فيها.

من ذلك كلمة (جذر) مثلًا، إذ يختلف معناها في عالم الزراعة عن معناها في عالم الرياضيات أو الكيمياء أو اللغة [10] ، ولذا فمن الصعب أحيانًا تحديد معنى الكلمة من غير معرفة السياق الذي ترد فيه.

وسيقف البحث عند مفهوم السياق لدى القدماء والمحدثين وأنواعه، ثم يعرض لتلك الأنواع حسب ما أفادَ منها الطوسي في تفسيره. وكذلك يقف عند المواضع التي جسّد فيها إدراكه لأثر السياق في توجيه الدَلالات بمختلف أنواعها.

(1) دلالة الألفاظ: 213.

(2) المصدر نفسه 106، وعلم الدلالة (مختار) 36، واللغة والمعنى والسياق35.

(3) دور الكلمة في اللغة 62.

(4) علم الدلالة (مختار) 37.

(5) دلالة الألفاظ 107 ـ 109.

(6) المصدر نفسه 85، ودور الكلمة في اللغة 90 ـ 94.

(7) اللغة العربية معناها ومبناها 325.

(8) منهج البحث اللغوي بين التراث وعلم اللغة الحديث 185.

(9) ينظر اللغة 231 ـ 232، ودلالة الألفاظ وتطورها 22، ومنهج البحث اللغوي 94، 185.

(10) علم اللغة بين التراث والمعاصرة 238.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت