الصفحة 98 من 337

وقد قال بدلالة الهاء على المبالغة في هذه الألفاظ أغلب المفسّرين [1] وصرّح بها أبو هلال العسكري حين فرّق بين عَلاّم وعَلاّمة، فقال: (( ... إنّ الصفة بعَلاّم صيغة مبالغة وكذلك كلّ ما كان على(فَعّال) ،وعَلاّمة وإن كان للمبالغة، فإنّ معناه ومعنى دخول الهاء فيه أنّه يقوم مَقام جماعة علماء، فدخلت الهاء فيه لتأنيث الجماعة التي هي في معناه )) [2] .

وللمحدثين رأي في هذه التاء، إذ يرى د. فاضل السامرائي أنّها إذا دخلت على الوصف بقصد المبالغة حَوّلته إلى اسم في نحو الذَبيحة والنَطيحة، فهي أسماء دالّةعلى مُسمّيات خاصة، ومثل ذلك أسماء يوم القيامة، مثل القارعة والطامّة والصاخّة، فهي أسماء خاصة بهذا اليوم، وهي تفيد مع المبالغة العُموم والشُمول [3] ، وتصدُق هذه المعاني على عَلاّمة وراوية، وكذلك بَصيرة.

ب ـ دلالتها على التكثير: تأتي صيغة مَفْعَلَة للدلالة على كثرة سبب الفعل وقد وقف الطوسي عند هذه الصيغة حين فسّر قوله تعالى {وَءَاتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً} [الإسراء: 59] وذكر جملة من الأقوال فيها، فقال: (( معناها مُبصِّرة تُبصِّر الناس بما فيها من العِبَر والهَدي من الضَلالة والشَقاء من السعادة، ويجوز أن يكون إنّها ذات إبصار، حكى الزجاج: مُبصَرة بمعنى مُبيَّنة، وبالكسر معناه تُبيِّن لهم، قال الفرّاء: مَبصَرة مثل: مَجبنَة ومَبخَلة، وكلّ(مَفْعَلَة) وضعتَه موضع (فاعِل) أَغنتْ عن الجمع والتأنيث، تقول العرب: هذا عشبُ مَلبنَة مَسمَنة، والولَد مَجبَنة مَبخَلة، وإن كان من الواو والياء فأَظهِرهما، تقول: سراب مَبوَلة، وكلام مَهيَنة للرجال، قال عنترة:

والكُفرُ مَخْبَثة لِنفْسِ المُنعِم [4] ... )) [5]

ويتضح من كلام الطوسي أنّ المفسرين يختلفون في تفسير (مبصرة) ، ولكن المعنى المتّفق عليه هو أنّ هذه الناقة أرسلهاالله بما فيها من العجائب إلى (ثمود) ليتّعظوا ويؤمنوا بالله، فهي آية من آيات الله الدالّة على صدق نبوّة (صالح) المرسل إليهم، وعلى قدرة الله وعظمته واستحقاقه العبادة [6] . غير أنه يستوقفنا هنا رأي الفرّاء الذي يميل إليه الطوسي بدليل استطراده في شرحه

(1) ينظر: مجاز القرآن 2/ 277، والبيان في غريب إعراب القرآن: أبو البركات الأنباري1/ 383، والتبيان في

إعراب القرآن2:أبو البقاء العكبري/274، والتبيان في تفسير غريب القرآن 1/ 436 ـ 437، وإرشاد

العقل السليم 9/ 66.

(2) الفروق في اللغة 79.

(3) معاني الأبنية 119 ـ 120.

(4) البيت في ديوانه 28.

(5) التبيان 6/ 493، وينظر معاني القرآن للفراء 2/ 126، ومعاني القرآن وإعرابه3/ 247.

(6) ينظر جامع البيان 15/ 109، ومعاني القرآن الكريم 4/ 167، والجامع لأحكام القرآن 10/ 281، وتفسير

القرآن العظيم لابن كثير 3/ 49.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت