قال: (( ومعناه: أرسلناك إلى الخَلق كافة بأجمعهم ) )ثم ذكر بصيغة التضعيف: قيل إن معناه: (( إلاّ مانعًا لهم وكافًّا لهم من الشرك، دخلت الهاء للمبالغة ... ) ) [1] .
وقد اختلف المفسّرون في هذه الآية، فرأى طائفة منهم أنّ في الكلام تقديمًا وتأخيرًا، ويفسّرونها على الرأي الأول الذي ذكره الطوسي، وهو أنّ (كافّة) بمعنى جميع الناس، وهي وصف تقدّم على الموصوف [2] ، على حين يرى آخرون أنّ الكلام خالٍ من أيّ تأخير وتقديم، و (كافّة) معناها أنّ الرسول ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ جاء مانعًا للناس من السَير في طريق الضلال بالإنذار والإبلاغ، وأنّه يكفيهم عمّا هُم فيه من الكفر والعصيان، والهاء للمبالغة [3] واكتفى بعضهم بذكر الأقوال من دون ترجيح [4] .
والراجح أنّ المراد بالآية: أنّ الرسول ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ قد أُرسل للناس كافّة لأهل الشرق والغرب وأهل السماء والأرض، وقد رُوي عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنّ الله تبارك وتعالى أعطى محمدًا ـ صلى الله عليه وآله سلم ـ شرائع نوح وإبراهيم وموسى وعيسى عليهم الصلاة والسلام جميعًا، وأنّه أرسله إلى الأبيض والأسود وإلى الجنّ والإنس [5] ، وفي هذا دلالة على عُمومية رسالة الإسلام وشموليّتها، فهي مُحيطة بالناس وكلّ ما حولهم، وفي إحاطتها وشمولها كفٌ لهم عن معاصي الله تارةً بالإبلاغ والتبشير، وتارةً بالإنذار والوعيد [6] .
وأشار الطوسي إلى دلالة الهاء على المبالغة في تفسيره لفظة (بَصيرة) الواردة في قوله تعالى {بَلِ الإنسَنُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ} [القيامة: 14] إذ قال في معنى الآية: (( أي شاهدٌ على نفسه بما تقوم به الحجّة، والهاء في(بَصيرة) مثل الهاء في (علاّمة) للمبالغة )) [7] فقد أفادت هاء التأنيث الدلالة على أنّ الإنسان هو أصدق شاهد وأقوى دليل على نفسه، فلا تُفيده الأعذار والمسوّغات؛ ولأنّ شهادته على أفعاله من خير وشرّ بغير إرداة منه، بل يُنطِقُه الحقّ المقتدر علاّم الغيوب، حتى يصير كالحجّة الناطقة والعين المُبصرة، وفي ذلك يقول الأخفش: (( فجعله هو البَصيرة، كما تقول للرجل: أنت حُجّة على نفسك ) ) [8] .
(1) التبيان 8/ 396.
(2) ينظر: جامع البيان22/ 96، ومعاني القرآن الكريم للنحاس5/ 18، وجواهر الحسان 3/ 247، والجامع لأحكام
القرآن14/ 300.
(3) ينظر: معاني القرآن وإعرابه 4/ 254، ومعجم مفردات ألفاظ القرآن الكريم 450.
(4) التفسير الكبير 9/ 25/206.
(5) ينظر: الصافي في تفسير كلام الله: الفيض الكاشاني 4/ 220.
(6) ينظر: جوامع الجامع: الطبرسي3/ 352،والميزان 16/ 400وتفسيرالقرآن العظيم: رشيدالخطيب7/.13
(7) التبيان 10/ 195.
(8) معاني القرآن 2/ 517.