(6) المذكّر والمؤنّث:
تعدّ ظاهرة التذكير والتأنيث من الظواهر المهمّة في نظام اللغة العربية، ولها ارتباط وثيق بالدلالة، وقد شغلت حيزًا واسعًا من عناية علمائنا الأوائل، وكان لها نصيبٌ وافرٌ في دراساتهم [1] ، ومؤلّفاتهم [2] ، ولا تزال حتى الآن مَحطّ اهتمام المحدثين على اختلاف مَناهجهم في التأليف والدراسة [3] .
وعُني بها أيضًا الطوسي لورودها في القرآن الكريم على نحو واسع، وقد اختار البحث نماذج من آرائه المتعلّقة بالدَلالة، ولا سيّما ما يختصّ بتاء التأنيث بحُسبانها عَلامة مُميّزة تُضاف إلى الاسم لغَرض دَلالي مُعيّن، وتبيّن من تلك النماذج أنّ التاء لها ثلاثُ دَلالات، فضلًا عن دَلالاتها العامّة المتّفق عليها، وهي:
أ ـ الدَلالة على المبالغة: تنبه العلماء الأوائل إلى هذه الدلالة وأشاروا إليها في دراساتهم اللغوية والنحوية، فقال المبرّد: (( وتقول العرب للرجل: راوية ونَسّابة، فتزيد الهاء للمبالغة، وكذلك عَلاّمة، وقد تلزم الهاء في الاسم فتقع للمذكّر والمؤنّث على لفظ واحد نحو: رَبعة ويَفعة وصَرورة، وهذا كثير لا تُنزع الهاء منه، فأمّا راوية وعَلاّمة ونَسّابة، فحذف الهاء جائزٌ فيه، ولا يبلغ في المبالغة ما تبلغه الهاء ) ) [4] .
وهذا يعني أنّ التاء تزيد درجة المبالغة وتبلغ بها إلى الحدّ الأعلى، يقول ابن جني: إنّ هذه التاء (( لم تُلحق لتأنيث الموصوف بما هي فيه، وإنما لحقت لإعلام السامع أنّ هذا الموصوف بما هي فيه قد بلغ الغاية والمبالغة سواء كان ذلك الموصوف بتلك الصفة مذكرًا أم مؤنثًا ) ) [5] .
ولا يشترط العرب في إدخال الهاء لتحقيق المبالغة أن تكون للمَدح، بل هي تدخل في المذكّر للمَدح والذَمّ معًا، إذا بولِغ في الوصف [6] .
وقد أشار الطوسي إلى دلالة هاء التأنيث على المبالغة في أكثر من موضع، من ذلك ما أورده عند تفسيره قوله تعالى {وَمَآ أرْسَلْنَك إِلاّ كَآفَّةً لّلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًَا} [سبأ:28] ، إذ
(1) ينظر: الكتاب 1/ 22، 52، 53، 65 و 2/ 212 و3/ 236، 237، 279، 347، 562، والمقتضب
(2) ينظر: المذكر والمؤنث: الفرّاء، والمذكر والمؤنث: المبرّد، ومختصر المذكر والمؤنث: ابن عاصم،
والبلغة في الفرق بين المذكر والمؤنث: لأبي بكر بن الأنباري.
(3) ينظر: في التذكير والتأنيث: إبراهيم السامرائي (بحث مستل) .
(4) الكامل: المبرّد1/ 192، وينظر: المذكر والمؤنث للمبرد 100.
(5) الخصائص 2/ 201، وينظر: أسرار العربية 199، والجمل في النحو: الزجاجي 1/ 285.
(6) ينظر: تهذيب اللغة (نسب) 2/ 149، ودقائق التصريف 83.