في اللغة: جرم بسيط حار رطب شفاف لطيف متحرك يشغل حيز مابين الأرض والسماء، وكلّ خالٍ يُقال لهُ: هواء، والجمع الأَهْوية [1] 10).
وبين الكلمتين تغيّر صوتي مورفيمي أدّى إلى تغيّر المعنى؛ لأنّ اللفظ العربي كثيرًا ما يرد في التعبير وأصواته تُحاكي معناه، فالهوى أمر معنوي مُقتصر على الإنسان نفسه يمثّل رغباته ومُيوله، ولأنّه مُنعدِم الحسيّة، وحركته نفسيّة، فقد وردت الألف المقصورة متّسقة معه، بخلاف الهواء الطبيعي الممتدّ في هذا الكون الواسع وبحركاته المختلفة بين الهدوء والقوّة، فهو أكثر اتساعًا وشمولًا وحركةً من هَوى النفس، ولذلك وردت الألف المنتهية بهمزة متّسقة معه أكثر، إذ الألف المقصورة مَجهورة رِخوة يبقى مَجرى الهواء عند النطق بها مَفتوحًا من دون إعاقة [2] 1)، على حين هو يمتد مع الألف في (الهواء) حتى ينقطع بالهمزة الحنجريّة الشديدة [3] التي تحتاج إلى جُهد للنطق بها والوقوف عليها. وتجد هذين اللفظين في اللهجة الدارجة ينطقان بصورة واحدة فالهوى ميل النفس، وكذلك (الهوا) .
ب ـ الورى والوراء: قال تعالى على لسان زكريّا (عليه السلام) (( وَإِنّي خِفْتُ الْمَوَلِي مِن وَرَآءِى ... ) ) [مريم: 5] .وقال الطوسي فيها (( الوَراء: الخَلف، والوراء: القُدّام، وكذلك الوَراء: وَلد الوَلد ممدود، والوَرى مقصور: داءٌ في الجوف، والورى أيضًا: الخَلْق مقصور ... ) ) [4] . تصوّر الآية السبب الذي جعل زكريّا (عليه السلام) يدعو ربّه أن يرزقه ولدًا صالحًا على كِبَر سنّه يكون وريثهُ على مالهِ ورسالتهِ ودينهِ ومبادئهِ التي يسعى لنشرها وإعلاء كلمتها [5] .
وقد ذكر الطوسي هذه الدلالات المشتركة للفظي الوَرى والوَراء، وهي تبدو معاني مشتركة لفظًا متباعدة معنىً، فـ (الوَرى) لغة من وَرِيَ: وهو قَرح يكون في أجواف الناس والإبل، واسم الداء الوريُ ثم صُرِف إلى الوَرى. والَورى هو: الخَلْق، وهاتان دلالتان مختلفتان لا صلة بينهما، أمّا (الوراء) فله دلالتان أيضًا، إحداهما: أنّه بمعنى الخلف والقدّام، فهو من الأضداد، والأخرى: أنّه وَلد الوَلد، أي الابن من الوَراء [6] . وعلى هذا فإنّ ما ينبغي الموازنة الدلالية بينهما هما: (الوَرى) بمعنى الخَلق، و (الوَراء) بمعنى وَلد الوَلد؛ لأنّ مدلولهما متقارب متصل. وفي اختلافهما المورفيمي اختلاف دلالي، إذ إنّ مدَّ الألف دلّ على امتداد نسب الوَلد.
(1) ينظر: (هوى) : الصحاح 6/ 2537، ولسان العرب 15/ 372، والكليّات 560.
(2) الأصوات اللغوية:21ـ24.
(3) المصدر نفسه 90، وعلم اللغة للسعران171.
(4) التبيان 7/ 107.
(5) ينظر: مجمع البيان 3/ 502 والميزان 14/ 6.
(6) ينظر: المنقوص والممدود 19، والمقصور والممدود على حروف المعجم 44، ولسان العرب (ورى) 15/ 386.